أقول: كان ينبغي أولاً للدكتور أن يتثبت من صحة نسبة القول إلى ابن عباس - وهو دكتور الحديث - ثم إذا ثبت لا بد أن يكون فقهه لا يتعارض مع أصول الشريعة العامة. فهل يُعقل أن حبر الأمو وترجمان القرآن يجيز الدعاء بالبركة لفرعون لو كان حيّاً؟!!
· دعوى "فارغة" للدكتور نسبها للإمام البخاري!!
ثم هذا الذي نسبه الدكتور للبخاري من إيراده لهذين الأثرين يريد أن يبين الخلاف بين اثنين من الصحابة في هذه المسألة لا ينقضي منه العجب!! ولا أدري من أين فهم الدكتور أن البخاري يريد ذلك؟!!!
عن عقبة بن عامر (رضي الله عنه): ((أنه مر برجل هيئته هيئة مسلم، فسلّم، فرد عليه: وعليك ورحمة الله وبركاته. فقال له الغلام: إنه نصراني، فقام عقبة، فتبعه، حتى أدركه، فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك وأكثر مالك وولدك)).
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: ((لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، لقلت: وفيك. وفرعون قد مات)).
نظر الدكتور إلى ما جاء في الأثر المروي عن عقبة: ((إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين)) ثم نظر إلى قول ابن عباس: ((لو قال لي فرعون: بارك الله فيك))، ففهم من هذا أن عقبة لا يستجيز الدعاء بالبركة للكافر، وابن عباس يستجيز ذلك! وإيراد البخاري لهما عقب بعضهما أراد أن يبين هذا الخلاف!!!
لا أدري كيف ينسب الدكتور للبخاري رأياً قد بناه هو على بنيان واه؟!!
وأسأل الدكتور: هل الدعاء للكافر بإطالة عمره وكثرة ماله وولده لا يعدّ من الدعاء بالبركة؟!!
فسيجيب الدكتور بقوله: هذا ما أشرت إليه بقولي السابق: "فمع أنه (رضي الله عنه) أراد أن يعرف هذا النصراني أنه غير مستحق للرحمة المطلقة ولا للبركة التامة، إلا أنه دعا له بطول العمر وكثرة المال والولد"!!
ففرّق الدكتور بين الرحمة المطلقة والبركة التامة في السلام: "ورحمة الله وبركاته"، وبين البركة المقيدة واستثنى من ذلك جزءاً من البركة، وهي في المال والولد!
وهذا التفريق لا دليل عليه أبداً؛ لأن المقصود عادة من الدعاء بالبركة إذا أطلقت هو البركة في المال والأهل والولد، وإن دخل فيها البركة بالوقت والعلم وغير ذلك.
· معنى «البركة»:
وهنا يتبين لنا أن الأثر المنسوب إلى عقبة منكر! فالرحمة والبركة قد جمعهما الله للمؤمن، فكيف يسترجع عقبة ذلك من النصراني، ثم يدعو له بالبركة في ماله وولده؟!
وَمعنى بَرَكةِ الله: علوٌّ على كل حالٍ، وأصل البَرَكة: الزِّيَادَة والنماءُ.
والتَّبْرِيكُ: الدعاءُ للإنسانِ وَغَيره بالبَرَكةِ. يُقَال: بَرَّكْتُ عَلَيْهِ تَبْرِيكاً، أَي قلتُ: بَارَكَ الله عليكَ.
قالَ الْفراء فِي قَول الله تَعَالَى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ (هود: 73) قَالَ: البَرَكاتُ: السَّعَادَة.
وقَالَ أَبُو مَنْصُور: وَكَذَلِكَ قولُه فِي التَّشَهُّد: (السَّلَام عَلَيْك أَيها النَّبِي ورحمةُ الله وبركاتُه)، لأنّ منْ أَسْعَدَه الله بِمَا أسعدَ بِهِ النبيَّ صلى الله عَلَيْهِ وَآله فقد نَالَ السَّعَادَة، الْمُبَارَكَة الدائمة.
وعليه فلا يلتفت لغمز الدكتور في آخر كلامه: "فهل هذا كله من تمييع الدين؟!! وهل كنا سنحترم هذا الاجتهاد الجليل فيما لو ذكرته دون ذكر الصحابة القائلين به؟! "!! لأن نسبة هذه الاجتهادات أو الفقه - كما سماه - لم يثبت عن هذين الصحابيين الجليلين. وعلى فرض ثبوتهما فهما خارج محل النزاع في مسألتنا هذه، فالتهنئة غير الإحسان بالقول والدعاء المزعوم عند الدكتور!!
· تنبيه واعتراض على الشيخ الألباني!
أورد الشيخ الألباني في «السلسلة الضعيفة» (2559): (إذا دعوتم لأحد من اليهود والنصارى فقولوا: أكثر الله مالك وولدك).
قال الألباني: "ضعيف جداً. رواه ابن حبان في "الضعفاء" (2/ 15، 16)، وابن عدي (215/ 2)، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان" (2/ 289)، وعنه الديلمي (1/ 1/114)، وابن عساكر (15/ 465/2) عن عبدالله بن جعفر عن عبدالله بن دينار قال: لا أراه إلا عن عبدالله بن عمر مرفوعاً. وقال ابن عدي: عبدالله بن جعفر عامة حديثه لا يتابعه أحد عليه، وهو مع ضعفه يكتب حديثه.