قلت: فالظاهر أن قولة: «وَفِرْعَوْنُ قَدْ مَاتَ» هي من قول سعيد بن جبير. عقّب بها على قول ابن عباس، وهذا يجعلنا نفهم كلام ابن عباس على الوجه الصحيح، وهو أنه يرى الإحسان القول إلى من أحسن إليك في القول أياً كان.
ورواية شريك المفصلة توضح الرواية المجملة وتبين أنها رُويت بالفهم، ففهم من كلام ابن عباس هذا!
وهذا الكلام غير سليم وغير مستقيم وهو كلام فاسد من أصله وحاشه ابن عباس أن يقول ذلك، "بارك الله فيك" دعاء، وهذه لا تقال إلا لمسلم فقط، ألا ترى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يتعاطس عنده اليهود رجاء أن يقول لهم: يرحمكم الله ـ كما يقولها ـ للمؤمن، فكان يقول يهديكم الله ويصلح بالك، فقط، أما المؤمن والمسلم فيقال له ـ في العطاس ـ يرحمنا ويرحمكم الله أو يغفر لنا ويغفر لكم الله، وممن أشار إلى ذلك وبوب عليه أبو بكر السني في عمل اليوم والليلة.
حتى لو صح هذا عن ابن عباس، فليس معناه أن أدعو للكافر بأن يبارك الله فيه أو يطيل عمره ويكثر ماله وولده، وإنما هو من باب الحثّ على رد الإحسان بالإحسان، وليس معنى الرد بالإحسان أن أدعو بهذه الدعوات، فلو دعا لي كافر بقوله: "بارك الله فيك" فيمكن أن أرد عليه: هداك الله للإسلام أو نحو هذا، وهذا من طيب القول، أو شكراً، وغير ذلك مما ليس فيه الدعاء الذي فُهِم من كلام ابن عباس، والله أعلم.
وضِرَارُ بن مُرَّةَ أبو سِنَانٍ الذي روى هذا الفهم عن سعيد بن جبير كان من الزهاد العبّاد، وكان ثقة، قليل الحديث، وهؤلاء لزهدهم وعبادتهم يروون أحياناً مثل هذه الروايات بما يفهمونه متأثرين بحالهم. وقد اجتنب البخاري حديثه فلم يخرج له في الصحيح، وخرّج له مسلم ثلاثة أحاديث مما توبع فيها.
والظاهر أن ما رواه شريك عنه هو الصحيح، وعليه فلا حجة للدكتور وغيره في هذا.
· نقل منكر عن ابن عباس!!
وقد يؤيد البعض هذا الفهم عن ابن عباس بم رُوي عنه أنه قال: «من سلَّم عليك من خلق الله فاردد عليه، وإن كان مجوسياً، ذلك أن الله يقول: {واذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها».
رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» برقم (5729) عن عليّ بن حرب الموصلي.
وابن أبي الدّنيا في «مداراة الناس» برقم (105) عن يعقوب بن إبراهيم، كلاهما عن حُميد بن عبدالرحمن الرؤاسي، قال: حدثنا حسن بن صالح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، به.
قلت: هذا يخالف ذوق ابن عباس في التفسير ويُصادم النصوص الأخرى، فكيف يقول به حبر الأمة وترجمان القرآن؟!
وقد تفرد برواية هذا التفسير عن ابن عباس سِماك بن حرب الكوفي! وهو رجل صالح صدوق، وقد ضعفه بعض أهل العلم وتكلموا في روايته عن عكرمة عن ابن عباس، وكان يلقّن فيتلقّن.
قال النسائي: "إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن".
وروى حجاج عن شعبة قال: "كانوا يقولون لسماك: عكرمة عن ابن عباس، فيقول: نعم، فأما أنا فلم أكن ألقنه". [ميزان الاعتدال في نقد الرجال: 3/ 326].
قال ابن عدي: "وكان شعبة يضعفه، وكان يقول في التفسير: عكرمة، ولو شئت أن يقول له ابن عباس لقاله" [الكامل لابن عدي: 3/ 460].
وقال ابن المديني: "روايته عن عكرمة مضطربة، فسفيان وشعبة يجعلونها: عن عكرمة، وأبو الأحوص وإسرائيل يجعلونها: عن عكرمة عن ابن عباس".
وقال يعقوب بن شيبة: "هو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين".
قلت: فلا يُحتج بهذا التفسير عن ابن عباس؛ لأنه لم يثبت عنه.
ونرجع لكلام الدكتور: " [يعني إن ابن عباس يقول ذلك مع العلم بنهاية فرعون وأنه مات على الكفر]. ففي هذا الأثر يستجيز ابن عباس (رضي الله عنهما) الدعاء لفرعون بالبركة، خلافاً لعقبة بن عامر!! وواضح من إيراد الإمام البخاري للأثرين أحدهما عقب الآخر: أنه يريد أن يبين الاختلاف الواقع فيهما: بين مستجيز الدعاء بالبركة للكافر: وهو ابن عباس (رضي الله عنهما)، وغير مستجيز: وهو عقبة بن عامر (رضي الله عنه)! فهل هذا كله من تمييع الدين؟!! وهل كنا سنحترم هذا الاجتهاد الجليل فيما لو ذكرته دون ذكر الصحابة القائلين به؟! " انتهى.