قلت: قد تقدم تخريجه، والكلام على كلا الحديثين. أما الأول الذي ضعفه بجهالة حال عبدالرحمن فهو حسن، وأما حديث عقبة الذي حسنه فهو فرد غريب! تفرد به ابن وهب، ولم يروه إلا عاصم بن حكيم عن يحيى!
· آثار أخرى منكرة!!
فالدعاء للكافر بكثرة المال والولد منكرٌ جداً. وقد وردت بعض الآثار الأخرى في ذلك، منها:
1 - ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 255)، قال: حَدَّثَنَا عَبْدُاللَّهِ بنُ مُبَارَكٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ يَهُودِيًّا حَلَبَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَاقَةً، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ جَمِّلْهُ»، فَاسْوَدَّ شَعْرُهُ.
ورواه عبدالرزاق في «مصنفه» (10/ 392) عن معمر، به. بلفظ: "فاسود شعره حتى صار أشد سواداً من كذا وكذا".
قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش نحواً من سبعين سنة لم يشب.
ورواه أبو داود في «المراسيل»، باب ما جاء في الدعاء للذمي، رقم (492) عن أبي بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع، عن ابن مبارك، عن معمر، به.
ورواه ابن السنّي في «عمل اليوم والليلة»، باب ما يقول إذا قضى له حاجة، رقم (285) قال: أخبرنا القاسم بن نصر، قال: أنبأنا الخليل بن عمرو البغوي، قال: حدثنا عبدالله بن المبارك، عن معمر، عن قتادة، عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: حلب رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم جمله» فأسود شعره.
قلت: هذا إسناد معلول! وزيادة أنس فيه منكرة! والصواب ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع عن ابن المبارك عن معمر عن قتادة مرسلاً، ليس فيه أنس. وقد وهم فيه الخليل بن عمرو فوصله!
2 - ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (5/ 255)، قال: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ يَهُودِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: ادْعُ لِي، فَقَالَ: «أَكْثَرَ اللَّهُ مَالَكَ، وَوَلَدَكَ، وَأَصَحَّ جِسْمَكَ، وَأَطَالَ عُمُرَكَ».
قلت: وكلاهما مرسل لا يصح.
· خطأ بعض أهل الفقه في إدخال الدعاء للكفار بهذه الأدعية في كتبهم!
وقد أدخل بعض أهل الفقه جواز هذا الدعاء للكفار في كتبهم!
قال في «كشاف القناع عن متن الإقناع» (3/ 130) للبهوتي الحنبلي: " (وَيَجُوزُ قَوْلُهُ) أَيْ: الْمُسْلِمِ (لَهُ) الذِّمِّيِّ (أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَهَدَاكَ اللَّهُ، يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ)، قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ لِأَحْمَدَ: يَقُولُ لَهُ أَكْرَمَكَ اللَّهُ؟ قَالَ، نَعَمْ - يَعْنِي بِالْإِسْلَامِ.
(وَيَجُوزُ) قَوْلُ الْمُسْلِمِ لِلذِّمِّيِّ (أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَك وَأَكْثَرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ قَاصِدًا بِذَلِكَ كَثْرَةَ الْجِزْيَةِ)، لَكِنْ كَرِهَ أَحْمَدُ الدُّعَاءَ لِكُلِّ أَحَدٍ بِالْبَقَاءِ وَنَحْوِهِ،؛ لِأَنَّهُ شَيْءٌ فُرِغَ مِنْهُ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَيَسْتَعْمِلُهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ وَصَحَّ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَعَا لِأَنَسٍ بِطُولِ الْعُمُرِ. وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إلَّا الْبِرُّ» إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِلنَّوَوِيِّ: نَقَلَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى كَرَاهَةِ قَوْلِ أَطَالَ اللَّهُ تَعَالَى بَقَاءَكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ تَحِيَّةُ الزَّنَادِقَةِ".
قلت: فانظر إلى تقييدهم هذا الدعاء للكافر بقصد كثرة الجزية. وأما الآن فلا جزية ولا شيء! بل المسلمون هم من يدفعون للكفّار وينعشون اقتصادهم، ويحاربوننا بأموالنا، والله المستعان.