فالقصة الصحيحة عن ابن عمر هكذا - وهي كذلك في رواية عبدالله بن عمر العمري الضعيف السابقة - دون الدعاء في آخره.
وهذا يعني أن هذا الدعاء منكر!!
ورُويت القصة من طريق آخر فيها لماذا كان هذا الدعاء من ابن عمر!
رواه أبو بكر الدينوري في «المجالسة وجواهر العلم» (6/ 179) قال: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ عَبْدِاللهِ، قال: حدثنا هَوْذَةُ بنُ خَلِيفَةَ، قال: حدثنا ابنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّد بن سيرين، قَالَ: «مَرَّ ابنُ عُمَرَ عَلَى رَجُلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا جَازَ؛ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُ كَافِرٌ. فَرَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رُدَّ عَلَيَّ السَّلامَ. فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: أَكْثَرَ اللهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلى أصحابه، فَقَالَ: هَذَا أَكْثَرُ لِلْجِزْيَةِ».
ورواه الخلال «أحكام أهل الملل والردة من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل» رقم (1099) قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مهنا، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ صَاحِبُ السلعة، عَنْ ابن عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فساقه.
قلت: هوذة ضعيف لا يُحتج به. وقد توبع عليه، تابعه يوسف بن يعقوب صاحب السلعة، وهو صدوق صالح، لكن روايته عن ابن عون غريبة، وهو قد سمع من سليمان التيمي، فلعل الحديث السابق عن التيمي هو حديث، فالله أعلم.
على أن هذه الرواية غير ثابتة أيضاً. تفرد بها مهنى الشامي، وقد وثقه الدارقطني، وقال الأزدي: "منكر الحديث".
وهذه القصة لو كانت معروفة عن محمد بن سيرين لرواها أصحابه الثقات. والقصة كما ذكرت مشهورة عند البصريين مرسلة، والإرسال يدخل ما يدخله من الألفاظ والزيادات المنكرة.
ولو صحت هذه الرواية لكان دعاء ابن عمر له بكثرة المال والولد من أجل تكثير الجزية التي يدفعها النصراني في ظل الدولة الإسلامية، فهو قد خصّه بذلك، وهو اجتهاد منه، ولذلك نظر إلى أصحابه وأخبرهم بهذا، ولو كان عند ابن عمر عنده شيء سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم لما علل هذا الدعاء بتكثير الجزية، وظاهره أن أصحابه سينكرون عليه ذلك، فلهذا وضح لهم سبب دعاءه.
فالدعاء لهم من ابن عمر ليس على إطلاقه وإنما لسبب وهم يعيشون في الدولة الإسلامية. والذي أميل إليه أن هذا الدعاء لا يصح عنه، وهو منكر!
· استدراك على الشيخ الألباني:
وقد ذكر الشيخ الألباني هذا الخبر في «إرواء الغليل» برقم (1274) (خبر ابن عمر: أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل له: إنه كافر، فقال: رد على ما سلمت عليك، فقال: أكثر الله مالك وولدك، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: أكثر للجزية".
قال الشيخ - رحمه الله-: "لم أقف عليه بهذا التمام. وقد أورده الشيخ ابن قدامة (8/ 536) بدون عزو، وقد أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (1115) مختصراً من طريق أبي جعفر الفراء عن عبدالرحمن قال: "مر ابن عمر بنصراني، فسلم عليه، فرد عليه، فأخبر أنه نصراني، فلما علم رجع، فقال: رد علي سلامي". قلت: ورجاله ثقات غير عبدالرحمن وهو ابن محمد بن زيد بن جدعان، قال ابن أبي حاتم (2/ 2/280 ـ 281): " روى عن عائشة، روى عنه عبدالرحمن بن أبي الضحاك". قلت: وقد روى عنه أبو جعفر الفراء أيضاً هذا الأثر، فهو مجهول الحال.
وله شاهد عن عقبة بن عامر الجهني: "أنه مر رجل هيئته هيئة رجل مسلم، فسلم فرد عليه عقبة: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: أتدرى على من رددت؟ قال: أليس برجل مسلم؟ فقالوا: لا، ولكنه نصراني، فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، فقال: إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال الله حياتك، وأكثر مالك". أخرجه البخاري فى "الأدب المفرد" (1112) والبيهقي (9/ 203) من طريق ابن وهب: حدثني عاصم عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبيه عنه. قلت: وهذا إسناد حسن".