أقول: هذه الأمثلة أوردها الدكتور للأصل الذي ذكره قبل: "الإحسان بالقول"، وبنى عليه جواز التهنئة لأنها - عنده - من الإحسان بالقول!!
ونحن لا نخالف الدكتور في مسالة الإحسان إليهم بالقول، ولكن نزاعنا معه في إدخال تهنئتهم بأعيادهم في هذا الأصل!!
حتى الأدلة التي ذكرها لا تصفو له كما سنبينه في الآتي. وقد بنى الدكتور بنيانه على جُرف هار!! لأنه اتخذ فهماً لبعض الصحابة - لو صحّ عنهم - وعارض به الآيات المحكمات.
وهذه - والله - بلية عظيمة، فإذا أراد صاحب فكرة أن يدعم فكرته بحث عن بعض الأقوال والآثار وساقها وادّعى بأن هذا هو التأصيل الأصيل الذي لا محيد عنه! وإذا خالفت هذه الآثار أو الأقوال مذهبه قال بأن قول الصحابي أو فهمه ليس بملزم كما تقرر عند الأصوليين!!!
وللعلم فإن أثر ابن عباس الذي ساقه الدكتور هنا أخذه أيضاً من مقالة سلمان العودة التي بنى كل كلامه عليها!!
بوّب البخاري في «الأدب المفرد»: «باب كيف يدعو للذمي»:
قال حَدَّثَنَا سَعِيدُ بنُ تَلِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَاصِمُ بنُ حَكِيمٍ، أَنَّهُ سَمِعَ يَحْيَى بنَ أَبِي عَمْرٍو السَّيْبَانِيَّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ: «أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ هَيْئَتُهُ هَيْئَةُ مُسْلِمٍ، فَسَلَّمَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ: وَعَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، فَقَامَ عُقْبَةُ فَتَبِعَهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ فَقَالَ: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَبَرَكَاتَهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، لَكِنْ أَطَالَ اللَّهُ حَيَاتَكَ، وَأَكْثَرَ مَالَكَ وَوَلَدَكَ».
ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (9/ 203) من طريق بحر بن نصر بن سابق المصريّ، عن ابن وهب، به.
وهذا تفرد به ابن وهب!!
ورواه البيهقي أيضاً في «شعب الإيمان» (6/ 462) من طريق بحر بن نصر أيضاً عن عبدالله بن وهب، قال: سمعت عبدالله بن عمر يحدّث عن نافع: أن عبدالله بن عمر سلّم على أناس من يهود، فأخبر أنهم يهود فرجع إليهم، فقال: «رُدوا عليّ سلامي».
ثم رواه أيضاً من الطريق نفسها عن عَبْداللهِ بنِ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي السَّرِيُّ بنُ يَحْيَى، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَبْدِاللهِ بنِ عُمَرَ، أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: «رُدَّ عَلَيَّ سَلَامَي»، قَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَدْ رَدَدْتُهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ ابنُ عُمَرَ: «أَكْثَرَ اللهُ مَالَكَ وَوَلَدَكَ».
· تفرد عبدالله بن وهب!
قلت: فهذه الاثار كلها رواه عبدالله بن وهب، ولم يتابع عليها! وهو رحمه الله ثقة إلا أن له تفردات.
فحديث عقبة بن عامر وهو مصري، رُوي من طريق شامي! تفرد به ابن وهب المصري، فها غريب!!
ثم ساق القصة نفسها من حديث ابن عمر. أما الإسناد الأول فرواه عن عبدالله بن عمر العُمري وهو ضعيف. وأما الثاني فلا يُعرف لسليمان التيمي رواية عن ابن عمر. وظاهر القصة أنها مرسلة. وعادة ما ينتشر في المراسيل بعض الزيادات المنكرة إذا كان للحديث أو القصة أصل.
· القصة الصحيحة عن ابن عمر:
روى الإمام البخاري في «الأدب المفرد»، «بَاب إِذَا سَلَّمَ عَلَى النَّصْرَانِيِّ وَلَمْ يَعْرِفْهُ» قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْفَرَّاءِ، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ - هو ابن جدعان- قَالَ: مَرَّ ابْنُ عُمَرَ بِنَصْرَانيٍّ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ نَصْرَانِيٌّ، فَلَمَّا عَلِمَ رَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ: رُدَّ عَلَيَّ سَلامِي.
قلت: وهذا إسناد لا بأس به.