قلت: ويزعُمون أن محمّداً دخل سرداباً في بيت أبيه، وأمُّهُ تنظرُ إليه، فلم يخرجْ إلى الساعة منه، وكانَ ابنَ تِسع سنين. وقيل دون ذلك.
قال ابن خلكان: وقيل: بل دخلَ وله سبعَ عشرةَ سنةً، في سنة خمس وسبعين ومئتين، وقيل: بل في سنة خمسٍ وستين، وأنّهُ حيٌّ.
نعوذُ بالله من زوال العقلِ. فلو فرضنا وقوعَ ذلك في سالف الدَّهر، فَمَن الذي رآه؟ ومن الذي نَعتَمد عليه في إخباره بحياته؟ ومن الذي نصَّ لنا على عصمته، وأنه يعلم كلَّ شيء؟ هذا هَوَسٌ بَيِّنٌ. إنْ سَلَّطْناهُ على العقول ضلَّتْ وتَحيَّرتْ، بلْ جوَّزَتْ كلَّ باطل. أعاذنا اللهُ وإياكم من الاحتجاج بالمحال والكذب، أو ردِّ الحقِّ الصحيح كما هو دَيْدنُ الإمامية.
وممن قال إنّ الحسن العسكري لم يعقب: محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ، ويحيى بنُ صاعدٍ، وناهيكَ بهما معرفةً وثقةً." انتهى.
قلت: من خلال هذه الترجمة يتبيّن لنا أن الذهبيّ - رحمه الله- يرى أن قصة المهدي المنتظر خرافة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: طالما أن هذا خرافة، فلِمَ ترجمه في السير، وهو كتابٌ لجلة الأعلام، وهذا الرجل خيال غير موجود؟!
والجواب على ذلك في نظري هو أن الذهبي - رحمه الله- انتهز الفرصة وصاغ هذه الترجمة في كتابه ليبين هذه الخرافة، وإنصاف بقية أهل البيت وعدم الغلو فيهم كما يفعل الروافض، وهذا منه عبقرية ما بعدها عبقرية، والله أعلم.
فالروافض ينتظرون هذا الغائب، وحتى يظهر فلا بدّ من شخص يدبر لهم الأمر، ويرجعون إليه، فنشأت عندهم: عقيدة الولاية، وهي وجود من ينوب عن الإمام المنتظر، وهذا النائب اتصاله مباشر بالإمام، وكلّ النوّاب عن الإمام معصومون أيضاً، وهم الذين يأخذون الخمس من الناس.
وحتى يستمد هؤلاء النواب الشرعية عند الشيعة، وضع لهم الأئمة أحاديث في ما يتعلق بكلّ هذه القضايا، وهذه الأحاديث جُلّها ينتهي إلى الإمام جعفر الصادق، وبعضها ينتهي إلى أمير المؤمنين عليّ أو الحسن، أو رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو حتى بعض الصحابة الذين لم يرتدوا في نظرهم، فهم يقولون بأن الصحابة كلهم ارتدوا بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا نفراً يسيراً منهم، ممن شايع علياً رضي الله عنه.
وإذا ألقينا نظرة سريعة في كتب الرجال عندهم نجد ذلك، فكتاب البرقي مثلاً بدأ فيه بذكر أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم، فذكر سلمان، وأبا ذر، وعمّار بن ياسر، ثم ذكر (23) صحابياً، ثم ذكر أصحاب علي، ثم أصحاب الحسن، ثم أصحاب الحسين، ثم ختم الكتاب بذكر «أسماء المنكرين على أبي بكر»، وهم اثنا عشر رجلاً، ستة من المهاجرين، وستة من الأنصار.
ذكر الكليني في «فروع الكافي» (ص 115) عن جعفر: "كان الناس أهل ردة بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: من الثلاثة؟ فقال: المقداد بن السود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي".
وذكر المجلسي في «حق اليقين» (ص 522): أنه قال لعلي بن الحسين مولى له: "لي عليك حقّ الخدمة، فأخبرني عن أبي بكر وعمر؟ فقال: إنهما كانا كافرين، الذي يحبهما فهو كافر أيضاً."
وبنوا على ذلك «أنه لا ولاء إلا ببراء،» أي لا ولاء للإسلام إلا بالبراءة من أبي بكر وعمر، ويفسرون آيات الشرك والكفر والفحشاء والمنكر والبغي بالصحابة من المهاجرين والأنصار.
وجاء في «تفسير القمي» (ص 218) عند قوله تعالى:} وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي {قالوا: الفحشاء: أبو بكر، والمنكر: عمر، والبغي: عثمان."!! ألا لعنة الله على الظالمين.
ولأن الشيعة يكفّرون الصحابة، ومنهم أبو بكر وعمر وعثمان، وهم الذين تولوا جمع ونشر القرآن، فإن الروافض يقولون بأن هذا القرآن محرّف، وقد أخفى الصحابة منه آيات تتعلق بآل البيت والنص على الأئمة الاثنا عشر، وحذف سورة الولاية، وعليه فإن القرآن الصحيح هو عند أئمتهم وهو ما يسمى بمصحف فاطمة، وما زال الأئمة ونوابهم يتلقون القرآن حتى عودة المهدي المنتظر، وفي هذا طعن في النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهم يعتقدون بأنه كتم جزءاً من الرسالة أودعه علياً كالجفر والجامعة ومصحف فاطمة، كما يقول الكليني، وهي محفوظة عند الإمام المنتظر.