تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فالتعبيد لا يجوز لغير الله سبحانه وتعالى، وهذه التسميات «عبد الحسين» و «عبد الزهراء» و «عبد الرسول» ونحوها منكرة! وفيها من الشرك الذي يذهب بالتوحيد.

قال ابن حزم: "اتفق العلماء على تحريم كلّ اسم معبد لغير الله، كعبد عمر وعبد الكعبة وغير ذلك، ما عدا عبد المطلب، فليس فيه اتفاق".

وقال ابن عابدين في "حاشيته" (5/ 268) في تسمية الولد: "بأنه لا يسميه عبد فلان".

وفي "تحفة المحتاج" (4/ 295): "وتحرم التسمية بعبد النبيّ أو عبد الكعبة أو عبد الدار أو عبد علي أو عبد الحسين لإيهام التشريك، ومنه يؤخذ حرمة التسمية بجار الله ورفيق الله ونحوهما لإيهامه المحذور".

وفي "كشاف القناع" (3/ 27): "واتفقوا على تحريم كل اسم مُعبّد لغير الله تعالى كعبد العزى، وعبد عمرو، وعبد علي، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك، ومثله: عبد النبي، وعبد الحسين، وعبد المسيح ".

وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" (5/ 262) (25901) عن يَزِيد بن المِقْدَامِ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ هَانِئِ بْنِ شُرَيْحٍ قَالَ: وَفَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ رَجُلًا عَبْدَ الحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ: «مَا اسْمُكَ»؟ قَالَ: عَبْدُ الحَجَرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ».

وكلّ هذا من أجل سدّ الباب المؤدي للشرك! كيف لا! والذين يتسمون بهذه الأسماء إنما يعظّمونها، فينسبون أنفسهم لهم فيشابهون الله في ربوبيته؛ ولهذا حرص أهل العلم الذين صنّفوا في التوحيد على التحذير منه.

قال الشيخ محمد بن عبدالوهاب كما في "الدرر السنية في الأجوبة النجدية" (4/ 292): "وأما الرب، فمعناه: المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه؛ وهذا حق، ولكن أقرّ به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: 31]. فمن دعا الله في تفريج كربته، وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقاً في ذلك، خصوصاً إن اقترن بدعائه نسبة نفسه إلى عبوديته، مثل قوله في دعائه: فلان عبدك، أو قول: عبد علي، أو عبد النبي، أو عبد الزبير، فقد أقر له بالربوبية، وفي دعائه علياً، أو الزبير، وإقراره له بالعبودية ليأتي له بخير، أو ليصرف عنه شراً، مع تسمية نفسه عبداً له، قد أقَرّ له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين كلهم، بل جحد بعض ربوبيته".

وقال حفيده سليمان بن عبدالله (ت 1233 هـ) في "تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد" (ص: 548): "لا تجوز التسمية بعبد المطلب، ولا غيره مما عبد لغير الله، وكيف تجوز التسمية وقد أجمع العلماء على تحريم التسمية بـ: عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين، وعبد الكعبة؟! وكل هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به. وأيضًا فقد نصّ النبي صلى الله عليه وسلم على أن التسمية بعبد الحارث من وحي الشيطان، وأمره بعبد المطلب كعبد الحارث، لا فرق بينهما، إلا أن أصدق الأسماء الحارث وهمام، فلعله أولى بالجواز. لا يقال: إن الحارث اسم للشيطان، لأنه وإن كان اسمًا له، فلا فرق في ذلك بين جميع من اسمه الحارث. فلا يجوز التسمية به وإن نوى عبد الحارث بن هشام أو غيره.

فإن قلت: إذا كان ابن حزم قد حكى الإجماع على جواز التسمية بعبد المطلب، فكيف يجوز خلافه؟

قلت: كلام ابن حزم ليس صريحًا في حكاية الإجماع على جواز ذلك بعبد المطلب، فإن لفظه: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد العزى، وعبد هبل، وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب. واتفقوا على إباحة كل اسم بعد ما ذكرنا ما لم يكن اسم نبي، أو اسم ملك إلى آخر كلامه. فيحتمل أن مراده حكاية الخلاف فيه، ويكون التقدير: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، أي: فإنهم لم يتفقوا على تحريمه، بل اختلفوا، ويؤيده أنه قال بعده: واتفقوا على إباحة كل اسم بعد ما ذكرنا إلى آخره. ويكون المراد حاشا عبد المطلب، فلا أحفظ ما قالوا فيه، ويكون سكوتًا منه عن حكاية إجماعًا، أو خلاف فيه، وعلى تقدير أن مراده حكاية الإجماع من جواز ذلك، فليس كل من حكى إجماعًا يسلم له، ولا كل إجماع يكون حجة أيضًا، فكيف والخلاف موجود، والسنة فاصلة بين المتنازعين؟ وغاية حُجّة من أجازه قوله عليه السلام: "أنا ابن عبد المطلب" ونحوه، أو أن بعض الصحابة اسمه عبد المطلب. وقد تقدم الجواب عن ذلك، وأيضًا فلو كان قوله: "أنا ابن عبد المطلب" حجة على جواز التسمية به لكان قوله: "إنما بنو هاشم، وبنو عبد مناف شيء واحد" حجة على جواز التسمية بعبد مناف، ولكن فرق بين إنشاء التسمية وبين الإخبار بذلك عمن هو اسمه".

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٩٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٩٨٩