قلت: قال ابن جُريج في قوله تعالى: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله﴾: "يعني يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله".
وقال عكرمة: "يسجد بعضنا لبعض".
فهذه المعاني أيضاً محتملة في تفسير قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
· تحريف في كتاب العلل لابن أبي حاتم بيّنه والده الإمام!
قال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 343): سمعت أبي - ورأى في كتابي حديثاً كتب إليّ سعيد بن عمرو السكوني الحمصي، عن بقية بن الوليد، عن قيس بن الربيع، عن عبدالسلام بن حرب، عن خُصَيْف الجَزري، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليّ صليب من ذهب، وهو يقرأ براءة، فقال: ((اقطع هذا الوثن من عنقك))، فقطعته.
فسمعت أبي يقول: "هذا خطأ، إنما هو: عبدالسلام بن حرب عن غطيف بن أعين الجزري عن مصعب بن سعد عن عدي عن النبي صلى الله عليه وسلم".
قلت: كذا في كتاب ابن أبي حاتم وهو محرّف عنده كما أشار أبوه أبو حاتم.
فقد رواه الطبري في «تفسيره» (10/ 114): حدثني سعيد بن عمرو السكوني، قال: حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ قَيْسِ بن الرَّبِيعِ، عَنْ عَبْدِالسَّلامِ بن حَرْبٍ النّهديّ، عَنْ غَطِيفِ، عَن مُصْعَبِ بن سَعْدٍ، عَن عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قال: سمعت النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقرأ سورة براءة، فلما قرأ ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾ قلت: يا رسول الله، أما إنهم لم يكونوا يصلون لهم! قال: ((صدقت، ولكن كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه)).
قلت: فلم يذكر فيه: "خصيف الجزري" وهو من حديث سعيد بن عمرو السكوني الذي كتبه إلى ابن أبي حاتم. والظاهر أنه تحرّف عند ابن أبي حاتم إلى "خصيف" والصواب: "غضيف أو غطيف" وكأن هذا بسبب الكتابة؛ فإن عبدالرحمن بن أبي حاتم قال بأن هذا الحديث مما كتب به إليه سعيد بن عمرو، فكأنه قرأ "غضيف" "خصيف" فتحرّف عليه.
وقد رواه الطبراني في «المعجم الكبير» (17/ 92) عن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّدِ بن عِرْقٍ الْحِمْصِيّ، عن مُحَمَّد بن مُصَفَّى، عن بَقِيَّة بن الوليد، عن قيس، عن عبدالسلام، عن غطيف، به.
· مناقشة الشيخ الألباني في إيراده لهذا الحديث في «سلسلتة الصحيحة»!!
أورد الشيخ الألباني - رحمه الله - حديث عدي في «السلسلة الصحيحة» برقم (3293)، ثم قال: "أخرجه البخاري في "التاريخ" (4/ 1/106) والترمذي في "السنن" (309)، والطبراني في "المعجم الكبير" (17/ 92/218 و219)، وابن جرير في "التفسير" (10/ 80 - 81)، والبيهقي في "السنن" (10/ 116) من طريق عبدالسلام بن حرب عن غُطَيْفِ بن أعين عن مصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يا عدي! اطرح هذا الوثن". وسمعته يقرأ في سورة (براءة): ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله﴾، [فقلت: إنا لسنا نعبدهم]؟! قال: ... فذكره.
والزيادتان للبخاري وغيره، والسياق للترمذي، وقال: "حديث [حسن] غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبدالسلام بن حرب، وغطيف بن أعين؛ ليس بمعروف في الحديث ".
قلت: فهو علة الحديث، وهي جهالة (غطيف بن أعين)، وقد ذكره ابن حبان في "الثقات" (7/ 311) برواية عبدالسلام هذا فقط، وكذلك ذكره البخاري وابن أبي حاتم، وذكرا له في "التهذيب" راوياً آخر، وهو (إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة)، ولكنه متروك. وأما قول الحافظ فيه: "قلت: وضعفه الدارقطني".
فأقول: ظن الدارقطني أنه هو (رَوح بن غطيف)، بينه الذهبي بقوله في "الميزان": "ضعفه الدارقطني وقال: روى عنه القاسم بن مالك المزني فقال: روح بن غطيف". فتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: أظن ذا آخر".