تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في السورة الماضِيَة وُجِّهَت الآياتُ على أساس أنَّك إذا خِفْتَ من مخْلوق شِرير ، أو إذا بدَتْ لك مُصيبة أو شبَحُ مصيبة ، أو خِفْتَ مرَضاً عُضالاً أو جُرْثوماً فتاكاً ، وعَدُواًّ قهاراً ؛ إذا خِفْتَ من أمْثال هؤلاء فقُلْ أعوذ بِرَبِّ الفلق ، اليوم هذا الكمال العظيم ، وهذا الخُلُق العظيم ، الرِّفْعَة العالية ، والثبات على المبْدأ ، وهذه السعادة التي لا نوصَف ؛ لو بقيتُم على الحال التي أنتم فيها عندي لَصافَحَتْكُم الملائِكة ، ولزارَتْكُم في بُيوتِكم ، فَمَن مِنا لا تسْتَهْويهِ أخْلاق النبي عليه الصلاة والسلام ؟ ومن منا إنْ كان صادِقاً فعليه أنْ يذْهب إلى الحرَمِ النبوي الشريف ويقف أمام حُجْرَتِهِ الشريفة ولا يبْكي ؟ ما الذي جَمَعَكَ به ؟ فأنت لم ترَهُ ! بعد ألف وأربعة مئة عام تقِفُ أمام حُجْرَتِهِ فَتَبْكي ، أليس لأنَّهُ على خلُقٍ عظيم ، أليْس لأنَّ رحْمته وسِعَتْ أُمَّتَهُ كُلَّها ؟ أليس لأنَّهُ كان نَبِيَّ هذه الأُمَّة ؟ أليس لأنَّهُ لم يقُل شيئاً بلِسانِهِ إلا طَبَّقَهُ في سُلوكِهِ ؟ يكْفيهِ بعضُ المواقف ! ففي رحلة العمُر التي انتهت عند الحديبية كانت الرواحل ثلاثمائة ، والجُنود أكثر من ألف فما الحيلة؟! فقال عليه الصلاة والسلام وهو قائِدُ الجَيْش : لِيَتَناوَبْ كُلُّ ثلاثةٍ على راحِلَة ، وأنا وعَلِيٌّ وأبو لُبابة على راحِلَة ، فلما جاء دَوْرُهُ في المَشْيِ قال له صاحِباهُ : يا رسول الله اِبْقَ راكِباً ، فقال عليه الصلاة والسلام - وهو نَبِيُّ هذه الأُمَّة كلماتٍ لو أعَدتُها آلاف المرات لا أشْبَعُ منها - : ما أنا بأغْنى منكما عن الأجْر، ولا أنتما بِأقْوى منِّي على المَشْي ! وكان النبي عليه الصلاة والسلام مع أصْحابِهِ في نُزْهَة ، فقال أحدهم عَلَيَّ ذَبْحُ الشاة ، وقال الآخر : علَيَّ سَلْخُها ، وقال الثالث : وعَلَيَّ طبْخُها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعَلَيَّ جمْعُ الحَطَب

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٩٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٩٨٣