تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الآن يجب أن ينتبه ، فمنجزاته في الدنيا لا تغني عنه شيئاً ، لو فرضنا أنّ مهندسًا أشاد أعظم بناء ، فهذا البناء لا يشفع له عند الله ، ولو فرضنا أنّ محاميًا استطاع أن ينتصر في أعقد قضية ، فهذا الانتصار في هذه القضية إن لم يكن في الحق فلا قيمة له عند الله ، وقد يبلغ الرجل أعلى درجة ، ويبلغ شهرة عريضة ، وقد يكون غنياً كبيراً ، هذا (أُنَسيف) الذي كان من أغنى الناس على الأرض ، كان عنده أساطيل تجارية ، وعنده جزر وكلها مِلكه ، ومع ذلك ألم يأته الموت ؟ وحينما توفي ماذا أخذ معه * ما أغنى عنه ماله وما كسب *

الحقيقة أن ربنا عز وجل جعل الموت عظة بليغة ، كان من الممكن أن نُخلَق جميعاً دفعة واحدة ، ونموت جميعاً دفعة واحدة ، وبهذه الطريقة لا يتعظ أحدنا بأحدنا ، لكن هذا النظام الإلهي ؛ أن أناساً يولدون ، وأناساً يكبرون ، وأناساً يموتون .. الموت موعظة بليغة .

إنسان دُعِي إلى وليمة ، والوليمة الساعة الثانية والنصف ظهرًا ، وفي الساعة الثانية كان عنده ثريا يجب أن يركِّبها ، في أثناء تركيب الثريا تكهرب ، فأغمي عليه ، والذي أقام الوليمة انتظر ، والطعام جاء ساخنًا من المطعم ، فقال : استفقِدوه ، فإذا هو في المشفى ، دخلوا فإذا هو قد فارق الحياة ، هذا الطعام الذي أُعِدّ له لم يُتَحْ له أن يأكله ، بل لم يُتَحْ له أن يأكل منه لقمة واحدة .

دخلنا في معنى آخر ؛ منجزات الإنسان في الدنيا ، إن كان حقق نجاحاً في التجارة ، وإن كان حقق نجاحاً في الصناعة ، وإن كان حقق نجاحاً في العلم ، أخذ شهادة بورد ، وإن كان حقق نجاحاً في كسب المال ، وإن كان حقق نجاحاً في بناته ، زوّجهم إلى أشخاص من وجهاء المجتمع ، أصهارُهُ من الدرجة الأولى ، وإن كان حقق نجاحاً في كل منحى من مناحي الحياة ، وجاءه الموت وكان علمه سيئاً * ما أغنى عنه ماله وما كسب * إذًا لنجعل هذه الآية في بؤرة ذاكرتنا .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٩٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٩٢١