وسيّدنا عمر بن عبد العزيز ، في عهْدِهِ جمع الزكاة ، وأذاع في الناس : إنَّهُ من كان فقيراً فَلْيَتَقَدَّم لِيَأخذ حاجَتَهُ ، فَلَم يتَقَدَّم أحد ، ثمَّ قال : من كان مُغْرماً فَلْيَتَقَدَّم ، فلم يتقدَّم أحد ! فلقد مَرَّ على الأمَّة الإسلامِيَّة حينٌ من الدَّهْر اكْتفى الناس .
ثمَّ قال لِعِديّ : ولعلّ ما يمْنعك من دُخولٍ في هذا الدِّين : ما ترى من كَثْرة عَدُوِّهم - من كُلِّ حدْب وصوب- وَايْمُ الله ، لَيُوشِكَنَّ أنْ تسْمع بالقُصور البابِلِيَّة مُفَتَّحَةً للعَرَب ، فقالوا : لقد عاشَ عدِيّ بن حاتِم حتى رأى بابل مُفَتَّحَةً للمُسْلمين ، وحتى رأى المرأة تَحُجُّ على بعيرها لا تخاف ، وحتى رأى أنَّ المال قد فاض فيهم .
فحينما يأتي نصْر الله والفتْح فالإيمان بالله سهْلٌ جداً ، ولكنَّ البُطولة أنْ تؤمن بالله والأعْداءُ كُثُر ، وأن تؤمن بالله والأموال في أيديهم قليلة ، وأنَّك ترى الملك والسلطان في غيرهم ، إنْ آمنتَ بالله واقْتَنَعْتَ بالإسلام ، وطَبَّقْتَهُ في زَمَنٍ الإسْلام فيه ضعيف ، فأنت البطل :
ليس من يقْطع الطرُق بطلاً إنما من يؤمن بالله البطل
***
إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)
[النصر : الآية 1-2]
قبل أنْ نخرج من هذه الآية روى أحمد في المسند عَنْ جَارٍ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَجَاءَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فَجَعَلْتُ أُحَدِّثُهُ عَنِ افْتِرَاقِ النَّاسِ وَمَا أَحْدَثُوا فَجَعَلَ جَابِرٌ يَبْكِي ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ النَّاسَ دَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَسَيَخْرُجُونَ مِنْهُ أَفْوَاجًا *
[ رواه البخاري ]