تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعضهم قال : الماعون هو المعونة ، الذي يمنع المعروف بين الناس ، فهو إنما يمنع الناس أن يعين بعضهم بعضاً ، هذا مانع للماعون .

وبعضهم قال : ما لا يحل منعه ، كالماء والنار والملح .

رجل ركب جوادًا في الصحراء ، رأى رجلاً ينتعل الرمال المحرقة ، فأشفق عليه ، دعاه لركوب الجواد معه ، وهذا الذي دعاه لركوب الجواد لصٌّ من لصوص الصحراء ، وما إن امتطى ظهر الفرس حتى دفع صاحبها أرضاً ، وعدا لا يلوي على شيء ، فقال صاحب الفرس : يا هذا قد وهبت لك هذه الفرس ، ولن أسأل عنها بعد اليوم ، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء ، فتذهب منها المروءة ، وبذهاب المروءة يذهب أجمل ما فيها .

شاهد رجلٌ شخصًا مقطوعًا ، فأركبه في السيارة ، فإذا معه حشيش ، صادروا السيارة ، فهل يُركب أحدٌ أحداً بعد هذه الحادثة ؟ أبداً .

المعنى الدقيق خلاف كل هذه المعاني ، إذا أسأت لصانع المعروف منعت المعروف ، أركبك في سيارته أتحمل معه بضاعة ممنوعة ؟ فالسيارة صادروها له ، وسجنوه .

شاهد رجلٌ جريحًا ، فأخذه إلى المشفى ، فأوقفوه خمسة أيام ، ليس لي علاقة ، لم يسعف أحداً بعدها في حياته .

فكل إنسان يسيء لصانع المعروف يمنع الماعون .

أعارك كتابًا ، والله ضاع مني ، هل يعير مرة أخرى ؟ يحلف يمينًا معظمًا أنه لن يعير كتابًا لأحد ما دام حيًّا .

كل إنسان يتلقى معروفًا ويرد بالإساءة ، أو يسيء لصاحب معروف صاحب هذا المعروف لن يفعل خيراً أبداً .

من الذي منع الماعون ؟ هذا الذي أساء .

المعنى الدقيق أنك إذا رددت على معروف بإساءة ، أو إذا أسأت لصاحب معروف فإنك منعت الخير بين الناس ، قال : إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء فتذهب منها المروءة ، وبذهاب المروءة ، يذهب أجمل ما فيها .

أجمل ما في الحياة التعاون ، فإذا فعل الإنسان خيرًا شكَّ الناسُ فيه ، ماذا تريد مني ؟ ما أريد منك شيئًا ، والله ، لأن الناس تعودوا ألاّ يفعلوا خيرًا .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٨٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٨٥٥