إذاً كلمة فَذَكِّر معناها يوجد بالنَّفْس شيءٌ كامِنٌ ، وهو الفِطْرة السليمة التي فطَرَ الناس عليها، وهو تلك الاسْتِعْدادات والإمْكانات والخصائص التي إنْ عرفْتَ الله عز وجل تفاعَلَتْ وعَمِلَتْ وأبْدَعَتْ فعندما يكون الإنسان غير مُسْتقيم وبعيدًا عن الله عز وجل تُصبحُ حياته قَلِقَة وفيها اضْطِرابٌ ورُدود فعله عنيفةٌ جداً ،و غير منطِقي ، يُحبُّ أنْ يأخذ ما له وما ليس له ، يخافُهُ الناس ، يكْرَهُهُ الناس فإذا عرف الله عز وجل وهو ضعيفٌ اِطْمَأنَّتْ نفسه بِقُوَّة الله ، وإذا عرف الله عز وجل وهو الهلوع توازَنَتْ نفْسُهُ بِعَدالة الله ، إذاً ربنا عز وجل لما قال لِنَبِيِّهِ الكريم: فَذَكِّرْ، كان ذلك دليلاً أنَّ في النفْس البشَرِيَّة شيئاً كامناً مُهَيَّئاً للإيمان ، ومن كان صادِقاً يعْرفُ ما نقول ! قال ابن عطاء الله الإسكندري : لا يعْرفُ ما نقول إلا من اقْتفى أثر الرسول ، من آمن إيماناً صحيحاً يقول لك : كنت في جَهَنَّم ، وقد أصْبَحْتُ في الجَنَّة ، يقول لك : ليس في الأرض أسْعَدَ منِّي ! يقول لك : أنا مُطْمَئِنّ ، لا يرى إلا الله ولا يخْشى إلا الله ، يُصْبِغُ الله عليه طُمأنينةً وسكينةً وتوازُناً وهُدوءاً وحِلْماً وبصيرةً وحِكْمَةً وفِراسَةً ؛ هذه علامات المؤمن لذلك من علامات الإيمان أنَّ المؤمن يكْرَهُ أنْ يعود في الكُفْر كما يكْرَهُ الرَّجُل أنْ يُلْقى في النار ؛ هذه بعْضُ علامات الإيمان، فالنبي الكريم الله سبحانه وتعالى قال له : فَذَكِّر فالله خلق العباد كلَّهم على فِطْرةٍ سليمة وعلى بُنْيَةٍ واحدة ، لا فرق بينهم ، ولا فرْق بين أبْيَضِهم وأسْوَدِهم ، ولا غَنِيِّهم وفقيرِهم ، كلُّهم يخاف فإذا عرف الله اطْمَأنَّ ، كُلُّهم له قلْبٌ هَلوعٌ فإذا عرف الله أصبح جسوراً ، كُلُّهم يُحِبُّ المادَّة فإذا عرف الله زَهِدَ فيما سِواها ، قال تعالى :
[ المعارج : الآية 19-21 ]