تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال : ويلكِ لا تستنكري هذه اليد .. يقول الأب : إن هذا العمل خير له من أن يجرَّ ذيله إلى وجه لئيم ، وخيرٌ له ألف مرة أن يقف على باب اللئيم .

قيل : ما الذل ؟ قال : أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده ... ألم يقل الإمام عليٌ كرَّم الله وجهه : والله والله ، مرّتين ، لحفر بئرين بإبرتين ، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين ، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين ، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين .

فالإنسان يكدح في الدنيا ، والأعمال أكثرها شاقّة .. سبحان الله ! الأعمال الحلال شاقّة ، وهذه حكمةٌ بالغة ، لو أن الكسب الحلال أيسر من الكسب الحرام لتحوَّل الناس إلى الحلال ، لا حباً في الله عزَّ وجل ، ولكن ابتغاء السهولة ، لكنَّ حكمة الله اقتضت أن يكون الكسب الحلال متعباً ، والكسب الحرام سهلاً ، يمكن أنْ تعمل سنة بكاملها ، ولك خمسة شركاء وتربحون مائة ألف ، وبعد أن توزع الأرباح يكون نصيبك في الشهر الواحد ثمانمائة ليرة فقط .. هذا كسب حلال .

ويمكن أن توقِّع توقيعاً ، وأنت طبيبٌ شرعيٌّ فتقول : إن هذه الوفاة طبيعية ، وتكون الوفاة غير طبيعية ، وتأخذ على هذا التوقيع خمسمائة ألف ، لم يكتب إلا " الوفاة طبيعية" ووقّع ، ويكون الميت ترك تركة تبلغ خمسة ملايين ، وأعطوه نصف المليون ورجوه طي هذا الموضوع ، فهذا الكسب سهل كثيراً .. أن يكتب كلمة : "تبيَّن بعد فحص الجثة أن الوفاة طبيعية " ، التوقيع .. فلان. واسمحوا لنا بنصف المليون .. الكسب الحرام سهل كثيراً ، ولكن معه انهيار داخلي ، أما الكسب الحلال فمتعب ، و لكن له ثمراته .

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٢٢٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٢٢٣