تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن خبرة الله قديمة لا تحتاج إلى تعديل ، ولا إلى تغيير ، ولا إلى تبديل ، ولا إلى تطوير، بينما خبرة الإنسان حادثة ، الصناعات كلها ، كلّ سنة هناك تطوير ، وتحسين ، وتسريع ، في شتَّى المجالات ، فأنت عوِّد نفسك أنْ توازن بين العين وآلة التصوير ، وبين الأرض ومركبة الفضاء ، وبين الكُلية الطبيعية والكلية الصناعية ، فلو دخلت إلى مستشفى لجراحة القلب ، لرأيت القلب الصناعي بحجم كبير جداً ، بحجم ثلاجة كبيرة جداً ، وأنابيب ، وأجهزة ، وساعات ، فشيء يحتاج إلى غرفة تقريباً ، هذا القلب الصناعي ، فإذا أجرى الإنسان عملية قلب مفتوح يوصل دمه بالقلب الصناعي ، بينما قلبه الطبيعي لا يزيد عن قبضة اليد ، يعمل ثمانين عاماً دون كَلَلٍ أو مَلَل، يضُخ من الدم ، في عمرٍ متوسط ما يملأ أكبر ناطحة سحابٍ في العالم ، يضخ في اليوم ثمانية أمتار مكعبة من الدم باليوم الواحد ، فأنت قد تستهلك في العام كله ألف لتر من الوقود السائل ، ألف لتر ، بينما قلبك يضخ في اليوم الواحد ثمانية آلاف لتر ، له دسامات ، وله شرايين، وله أوردة ، وازن بين صنعة الله في خلقك ، فإنّ الله أرادك أن تُوازِن ..

أم الذي بنى السماء ، انظر إلى تلوين العصافير ، إلى تلوين الفراشات ، شيء لا يصدق ، فالمهندسون الجماليون ، مهندسو الفنون الجميلة الذين يصممون الأشكال والألوان ، يقتدون بالفراشات والأطيار ، في تلوين الآلات وتزيينها ..

وازن بين الطائر والطائرة ، وازن بين العين وآلة التصوير ، وازن بين الكُلية وبين الكُلية الصناعية ، بين القلب الطبيعي وبين القلب الصناعي ، وازن بين صنعة الله وصنعة البشر ، لذلك ربنا عز وجل سمح لذاته العليَّة أن يوازنها مع مخلوقاته ، قال :

فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14)

( سورة المؤمنون )

تفسير محمد راتب النابلسي · الصفحة ٤٠٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تفسير محمد راتب النابلسيص ٤٠٤٧