أيها الإخوة ... في هذا اليوم يوم تهتز الأرض ، وتخرج هذا الإنسان الذي طغى وبغى ، ونسي المبتدى والمنتهى ، تخرج هذا الإنسان الذي بنى مَجْدَهُ على أنقاض الآخرين ، وبنى غِناه على إفقار الآخرين ، وبنى أمنه على خوف الآخرين ، وبنى حياته على موت الآخرين ، هذا الإنسان الذي خَلَقَهُ الله ليسعد في الآخرة ، خان الأمانة ، ونسي مهمته ، وفعل ما فعل ..
الأرض تُزَلْزَل ، والنجوم تَنْكَدِر ، والشمس تتكوّر ، وكل شيءٍ قد انتهى ، أول كلمة هي الراجفة، والرادفة تتبعها هي السماء ..
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ(1)وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ(2)وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3)وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ(4) ... الآيات .
( سورة التكوير )
الإنسان أحياناً حتى في الدنيا يتجاوز حدوده ، فينتهك حُرْمة القانون ، ويتبجَّح ، ويتعاظم ، ويتغطْرَس ، فإذا وقع في يد العدالة لم يستطع أن ينظر إلى آلة التصوير حين يُصوَّر ..
فالبطولة أن تنجو في هذا اليوم ، لا أن تتيه على الناس بمالك ، ولا بعلمك ، ولا بسلطانك ، ولا بمكانتك ، ولا بقدرتك على الأذى ، البطولة أن تنجو في هذا اليوم ..
ساكنة سكون الخَوْف ، والقلب مضطرب اضطراب الفزع والجزع .
أي نحن سوف نرد إلى الدنيا ؟ فما الذي حصل ؟ هم في رعب ، وهم في دهشة ..
طبعاً الإنسان قد يبقى عظاماً نخرةً فقط ، أي عظًام هَشًّا ، عظمًا مَنْخورًا ، قال : لا ، أنتم حينما رَجَفَت الأرض ، وتبعتها السماء ، وأنتم تخافون ، والأبصار خاشعة ، لن تردوا إلى الدنيا ..
العرب تقول : رُدَّ في حافرته ، أي عاد من حيث أتى ، توهّموا أن هناك عودةً إلى الدنيا ، قال : لا .. الذهاب إلى الآخرة ، إلى يوم الجزاء ، إلى يوم الحساب ، إلى يوم الدين ، عندئذٍ يقولون :
الإنسان حينما يُلْغِي إنسانيَّته ، ويتَّبع شهوته ، قد يستمتع إلى حين، وقد ينغمس في لذَّاتٍ محرَّمة ، ولكن حينما يوضع في الحساب يندم أشد الندم .