شيء يلفت النظر هو أن الله سبحانه وتعالى بدأ بهذه الآية الزانية والزاني : بدأ بالزانية، في الآية الثانية بدأ بالزاني، قال بعض العلماء: إن الزانية في الآية الأولى قدمت على الزاني لأنها الأصل في عملية الزنى ، هي التي أظهرت مفاتنها وهي التي قالت له هيت لك وهي التي كانت السبب في الزنى ولكن جاء الزاني في الآية الثانية مقدما على الزانية لأنه في عقد النكاح الرجل هو الأصل ، هو الذي يطلب ، إذا حملنا كلمة ينكح بمعنى عقد الزواج ، ففي القرآن الكريم وردت كلمة النكاح بمعنى عقد الزواج وقد ذكر بعض العلماء أن كلمة النكاح تعني عملية اللقاء فلذلك الزاني هنا قدم على الزانية لأنه إذا كان النكاح هو عقد الزواج فالرجل فهو الأصل فهو الذي يطلب لذلك قدم الزاني على الزانية، شئ آخر الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين : من أجل أن يكون التفسير واضحا لابد من وقفة بلاغية ، فالكلام عند علماء البلاغة خبر وإنشاء، الإنشاء هو الأمر والنهي والاستفهام والتمني والترجي والحض والنداء، هذه الأساليب تسمى أساليب الإنشاء لأن هذا الكلام لا يحتمل الكذب أو الصدق . مثلا لو أنك سألت إنساناً كم الساعة؟ هل له أن يقول لك أنت كاذب ؟ لا يمكن أن يقال للسائل كاذب ولا للمستفهم ولا للذي يأمر ولا للذي ينهى أما إذا قلت أنا عندي مائة ألف ليرة فهذا خبر، الخبر يحتمل الصدق والكذب فربنا عز وجل أحيانا يأتي بالكلام على صيغة الخبر وهو يريد النهي .
هذا المعنى دقيق يوضح بمثل منتزع من حياتنا اليومية : لو أن أبا قال لابنه لا تأتي بعد الساعة العاشرة إنه ينهاه عن أن يأتي بعد هذه الساعة المتأخرة ، فهذا نهي ، ولكن النهي يفيد أن بإمكان هذا الولد أن يأتي قبل الساعة العاشرة أو بعد الساعة العاشرة ، والنهي يحتمل تصور وجود المنهي.