جعلَ الله سبحانه وتعالى لكلَّ شيئٍ سبباً ، فإذا أردت أن تأكل القمح فلا بد من أن تزرعه ، وإذا أردت أن تجني العسل فلا بد من أن تربي النحل ، وأيُّ إنسان أراد أن يتجاوز الأسباب لقي الخيبة ، فمن أدبك مع الله عز وجل ، ومعرفتك بقواعد الخلق ، هو أن تتخذ الأسباب ، وبعدها تتوكل على رب الأرباب .
تأخّرَ المسلمون حينما تركوا الأخذ بالأسباب ، وتواكلوا على الله تواكلاً لا توكلاً ، فهذه القصة ترينا أن ذا القرنين وصل إلى ما وصل إليه ، وبلغ مشارق الأرض ومغاربها ، ولمع ذكره ، وعلا نجمه ، وسطع اسمه بين الناس ، لا لأنه نام ، وقعد ، وخنع ، وكسل ، بل لأنه أخذ بالأسباب ، هذا هو المغزى .
التمكين من الله عز وجل . " وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا "
آتيناه من كل شيء أراده سبباً له . " سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا "
فأتبع الأسباب .
أراد سبباً لهذا الشيء ، فما كان منه ، إلا أن كان أديباً فأتبع هذه الأسباب ، يعني إذا أردت أن تُصبح غنياً ، فالغِنى له سبب ، وإذا أردتَ أن تحتلَّ مكانةً رفيعةً بينَ الناس ، فهذه لها سبب ، ولا بد من أن تقدم لهم شيئاً ، ولا بد من أن تعطي أكثر من أن تأخذ ، فهناك سبب لكلِّ شيءٍ تريده في الحياة ، فإذا كنت عبداً واعياً ، أريباً ، تأخذ بالأسباب ، و بعد ئذٍ يمكنك الله في الأرض ، أما أن تطلب التمكين فهذا من المستحيلات .
ولذلك عندما سُئِل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : أندعو ربنا بالتمكين أم الابتلاء ، فما كان من هذا الإمام إلاَّ أن قال : لا يكون التمكين قبل الابتلاء . " إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84)فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85) "