ومنه سَمَّوُا القَرَابَةَ عُصْبةً؛ لأنهم يَشُدُّون أَزْرَ قَرِيبِهم، وهُمُ الجماعة ذَوُو القُوَّةِ.
وبعض الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: مِنْ ثَلَاثَةِ إِلَى سَبْعَةِ.
وبعضُهم يزيدُهم إِلَى عَشَرَةٍ.
وبعضُهم يقول -كَمَا قال المُفَسِّرُ رحمه الله-: سَبْعُون، أو: أربعُون.
والمسألة فيها خلافٌ، ولكن الظَّاهِرُ لَنَا أَنَّهُمْ هُمُ الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ يَشُدُّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا ذَوِي كَثْرَةٍ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى حَدِّهم.
لَكِنْ مَعَ كَوْنِهِمْ جماعة مجتمعين فهُم أقوياء، فاجتَمَع هنا في حَقِّهِم أمرانِ: القوة بالكيفية، والعَدَد بالكَمِّيَّة، فصارت عندهم كَمِّيَّة وكيفية، هَذِهِ الْجَمَاعَةُ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى حَمْلِ المفاتيح فقط لكانت المفاتيح تُثْقِلُهم، نقول: مفاتيحه لا يحملونها العَشَرَة أصحابُ القُوَّة! إِذَا كَانَ هَكَذَا فما بالُك بالخزائن! يعني: غني جدًّا بعطاء اللَّهِ تعالى لَهُ.
قَوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ أي: الناصحون له، وَهُمْ كَمَا قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: المؤمنون؛ لِأَنَّهُ لَا يَنصح مِثْلَ هَذِهِ النصيحة إِلَّا رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، والإضافة فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ تُفيد بيانَ أَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى جَانِبٍ كَبِيرٍ مِنَ النُّصح؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ قَوْمِك فَإِنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَغُشَّك، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ناصحًا لك.
وقوله: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾: ﴿لَا﴾ ناهِيَة، والفرح يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: فَرَحٌ يكون سُرورًا لَا يُحْمَلُ عَلَى الأَشَرِ والبَطَر، بَلْ يَكُونُ حاملًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى رضاه بنعمة اللَّهِ سبحانه وتعالى، وقيامِه بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهَا.
والثاني: فَرَحُ بَطَرٍ وتَرَفُّع، وعُدوان، وبَغْيٍ، وَهَذَا هُوَ الْفَرَحُ الَّذِي نَهَى عَنْهُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ قارونَ.