ولا نوافقكم عَلَى هَذَا العَمَل، وليس يعني ذَلكَ أَنَّهم لَا يَأمرونَ بالمَعروف وَلَا يَنهَوْنَ عَنِ المنكَر؛ لأَنَّ الكَلَامَ هنَا عَنِ اللَّغْو، وهو الكلامُ المنافي للخير، أَمَّا المنكَر، فَإنَّهم لَا شَكَّ أنهم يَنهَوْنَ عَنْهُ، وَيَأمُرونَ بالمَعروف.
قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ يقول المُفَسِّرُ رحمه الله: [سَلَامُ مُفَارَقَةٍ]، أي: سَلِمْتُم مِنَّا مِنَ الشَّتْمِ وغيره، ولا يُسَلِّمُون سلامَ تحية، فَهُم إذَا سَمِعوا اللَّغوَ أَعْرَضُوا وقاموا، وقالوا لهؤُلاءِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، يعني: سَلَامٌ عَلَيكم منَّا وَلَيسَ مِنَ اللَّه، فأنتم سالمون لا، نُقابلكم بما تفعلون بنا، وَهَذَا مِنَ المُفَسِّر رحمه الله بنَاءً عَلَى أَنَّ المرَادَ بِقَولِه: ﴿اللَّغْوَ﴾ يعني: الأذى والشتم منَ الكفَّار.
أَمَّا إذَا قُلنَا بالعُموم؛ فَإنَّه يَحتَمل أَنْ يَكونَ المرَاد بالسَّلام هنا سلامٌ مِنَ اللَّه، أي: سلامُ تَحِيَّة؛ لأنَّهُ يُشرَع لمَن قَامَ مِن مجلس أَنْ يُسَلِّم، وَيَحتَمِل أَنْ يَكونَ سلامَ مُفارَقَة، وإن شئنا جعلناه مُوَزَّعًا، فقلنا: إِنْ قُلنَا باللَّغو إنه الشتمُ والأذى، فالسَّلام هنا سلامُ مُفارَقَةٍ، بمعنى أنكم سالمون منا، ونحن سالمون منكم، وَإذَا قلنَا: إنَّ المرَادَ باللَّغو الكَلَامُ الَّذي لَا خَيرَ فيه، وَإنْ لَم يَكن سَبًّا، ولا شَتْمًا، فهو سلامُ تَحِيَّة؛ لأَنَّ هَؤلَاء لَمْ يُسِيئوا إلى المُعْرِضين حَتَّى يَقولوا لهم: سَلَامٌ عَلَيكم مِنَّا.
قوله تعالى: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [لَا نَصْحَبُهُمْ]، وَهَذَا التَّفسير مِن المُفَسِّر رحمه الله أَظُنُّه قاصرًا؛ فَلَو كَانَ الأَمرُ كَذَلكَ لَقَالَ: لا نَصْحَبُ الجَاهِلين، لكن ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾، والابتِغاءُ بمعْنى الطَّلب، قَالَ تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: يطلبون، وَإذَا انتَفَى طلبُ الجَاهِلين، فانتِفَاءُ صُحبَتِهِم مِن بَاب أَوْلى؛ لأَنَّهم مَا يطلبون الجَاهِلين، فَضلًا عَن كونهم إذا وَجَدُوهُم صَحِبُوهُم، فظاهِرُ الآية أَولَى، وَأَبلَغُ مِن تَفسير المُفَسِّر رحمه الله، فالإِنْسَان ذو العِلم