تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طلبًا للفِعل عَلَى وَجْهِ الاستعلاء؛ لِأَنَّ الْبِنْتَ لَا يُمْكِنُ أَنْ تأمُرَ أباها أمرًا، ولكنه للاستعانة.

قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [اتَّخِذْهُ أَجِيرًا يَرْعَى غَنَمَنَا بَدَلَنَا]، وهنا فائدتان للبنتين، أولًا: سوف تَرْتَاحَان مِنَ الْعَمَلِ، ثانيًا: أَنَّ الرَّجُلَ قويٌّ وأمين، وَنَحْنُ فِي طُمَأْنِينَةٍ منه، وكذلك نَحْنُ فِي طُمَأْنِينَةٍ مِنْ أَنَّهُ سوف يَسْقِي لنا سَقْيًا كاملًا لقُوَّتِه.

قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ أي: استأجِرْه لقُوَّتِه وأَمَانَتِه.

فقولها ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ حُكم، وقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ تعليلٌ، يعني: استأجره؛ لأنَّه قويٌّ أمين، لكنها أتت بالتَّعلِيل عَلَى سَبِيلِ القاعدة العامَّة، لَوْ قَالَتِ: استأجره إنه قويٌّ أمينٌ، صَارَ هَذَا تَعْلِيلًا لمسألةٍ خاصة، وهي استئجار موسى، لكنها أتت بِهَذِهِ الْعِلَّةِ مُنْطَوِيَة تحت قاعدة عامَّة، وهي: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وهذان الوصفان هما رُكنان فِي كُلِّ عَمَلٍ، فكل عَمَلٍ لابدَّ لَهُ مِنْ هَذَيْنِ الأمرين، لَا يَكُونُ إِلَّا بِهِما، وهما القُوَّة والأمانة، فبالقُوَّة يَكُونُ الْفِعْلُ، وبالأمانة يكون تَمَامُ الْفِعْلِ، فغيرُ القويِّ لَا يَفْعَلُ، وغيرُ الأمين لا يُتَمِّمُ الفِعل، وَقَدْ لَا يَفْعَلُهُ أصلًا، وَلذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِنْسَان قويًّا أمينًا حَصَلَ بِهِ تَمَامُ الْفِعْلِ، فِي غَيْرِ المستأجر، يعني: فِي الْإِجَارَةِ إننا نطلب الْقَوِيَّ الْأَمِينَ فِي جَمِيعِ الأعمال، لو وكَّلنا شخصًا عَلَى بَيْعٍ فخيرُ مَن نُوَكِّل ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾.

إذا أَرَدْنَا أَنْ نُؤمِّر شخصًا على قرية، فخيرُ مَن نُؤَمِّرُ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُولِّيَ شخصًا عَلَى قَضَاءِ بلدٍ فخيرُ مَن نُوَلِّي عَلَى الْقَضَاءِ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، وَلِهَذَا قَالَ الجنِّي لِسُلَيْمَانَ عليه السلام: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾

تفسير العثيمين: القصص · الصفحة ١٠٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: القصصص ١٠٦