تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأنَّه يُقَّص المقصوص، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ مصدر بمعنى: اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسمِ المفعول يأتي كثيرًا، كقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فهنا ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ أي: محمول، مَعَ أَنَّ الآيَةَ لَا تَتَعَيَّنُ؛ لِأنَّهُ قَصَدَ المرأة.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ -ﷺ-: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (١). أي مردُود.

عَلَى كُلِّ حَالٍ: هنا القَصَص مَصدر بمعنى: المقصوص، وَلَا يَكُونُ مصدرًا بمعناه الحقيقي؛ لأن القَصَص فِعُل القاصِّ، وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا يُخْبَرُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا الَّذِي يُخْبَرُ عنه ويُقَصُّ هو الشَّيْء المقصوص، يعني: القضية، أَوِ الْقِصَّة، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هَذَا الَّذِي يُقْصُّ.

قَالَ المُفَسِّرُ رحمه الله: [مِنْ قَتْلِهِ الْقِبْطِيِّ، وَقَصْدِهِمْ قَتْلَهُ، وَخَوْفِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ] قَصَّ عَلَيْهِ قضيته كُلَّها؛ بِأنَّهُ كَانَ فِي مِصرَ مثلًا، وأنه حَصَل كَذَا وَكَذَا، وقتلَ القِبطي، وَأَنَّ رَجُلًا جاءه فنَصحه أَنْ يَخْرُجَ، فخرج، وَلِهَذَا كَانَ الْقَصْدُ.

قَوْلُه تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَفْ﴾: ﴿قَالَ﴾ هُنَا جَوَاب (لمَّا)، أي: فَلَمَّا جَاءَهُ موسى وَقَصَّ عَلَيْهِ قَالَ صَاحِبُ مَدْيَنَ: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾: ﴿لَا﴾ هنا ناهية، وَالمُرَادُ بِهَا حَقِيقَةُ النهي، ولكنها هنا لتطمين هَذَا الرَّجُلِ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُه: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تأكيدًا للجُملة فِي المَعْنَى، أي: لَا خَوْفَ عليك؛ لأنك ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

وَمنْ عَجِيبِ صُنع اللَّهِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ جاء مطابقًا لسؤال موسى، فموسى قد دَعَا رَبَّهُ عندما خرج خَائِفًا مِنَ المَدِينَةِ، ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١]،

(١) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب إذا اصطلحوا على صلح جور، رقم (٢٦٩٧)، مسلم: كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، رقم (١٧١٨).

تفسير العثيمين: القصص · الصفحة ١٠٠

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير العثيمين: القصصص ١٠٠