54.6-8
يقول تعالى: فتول يا محمد عن هؤلاء الذين إذا رأوا آية يعرضوا ويقولوا هذا سحر مستمر، أعرض عنهم وانتظرهم ﴿ يوم يدع الداع إلى شيء نكر ﴾ أي إلى شيء منكر فظيع، وهو موقف الحساب، وما فيه من البلاء والأهوال، ﴿ خشعا أبصارهم ﴾ أي ذليلة أبصارهم، ﴿ يخرجون من الأجداث ﴾ وهي القبور ﴿ كأنهم جراد منتشر ﴾ أي كأنهم في انتشارهم وسرعة سيرهم إلى موقف الحساب إجابة للداعي، جراد منتشر في الآفاق، ولهذا قال: ﴿ مهطعين ﴾ أي مسرعين ﴿ إلى الداع ﴾ ، لا يخافون ولا يتأخرون ﴿ يقول الكافرون هذا يوم عسر ﴾ أي يوم شديد الهول عبوس قمطرير، كقوله تعالى:
فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير
[المدثر: 9-10].
54.9-17
يقول تعالى: ﴿ كذبت ﴾ قبل قومك يا محمد ﴿ قوم نوح فكذبوا عبدنا ﴾ أي صرحوا له بالتكذيب واتهموه بالجنون، ﴿ وقالوا مجنون وازدجر ﴾ قال مجاهد: أي استطير جنونا، وقيل: ﴿ وازدجر ﴾ أي انتهروه وزجروه وتواعدوه،
لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين
[الشعراء: 116] قاله ابن زيد وهذا متوجه حسن، ﴿ فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ﴾ أي إني ضعيف عن هؤلاء وعن مقاومتهم فانتصر أنت لدينك، قال الله تعالى: ﴿ ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر ﴾ وهو الكثير، ﴿ وفجرنا الأرض عيونا ﴾ أي نبعت جميع أرجاء الأرض حتى التنانير التي هي محال النيران نبعت عيونا، ﴿ فالتقى المآء ﴾ أي من السماء والأرض ﴿ على أمر قد قدر ﴾ أي أمر مقدر. قال ابن عباس: ﴿ ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر ﴾ كثير لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده إلا من السحاب، فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءان على أمر قد قدر، ﴿ وحملناه على ذات ألواح ودسر ﴾ قال ابن عباس: هي المسامير، وقال مجاهد: الدسر أضلاع السفينة، وقال عكرمة والحسن: هو صدرها الذي يضرب به الموج. وقال الضحاك: الدسر طرفاها وأصلها، وقال العوفي، عن ابن عباس: هو كلكلها أي صدرها، وقوله: ﴿ تجري بأعيننا ﴾ أي بأمرنا بمرأى منا وتحت حفظنا وكلاءتنا ﴿ جزآء لمن كان كفر ﴾ أي جزاء لهم على كفرهم بالله، وانتصارا لنوح عليه السلام، وقوله تعالى: ﴿ ولقد تركناها آية ﴾ قال قتادة: أبقى الله سفينة نوح حتى أدركها أول هذه الأمة، والظاهر أن المراد من ذلك جنس السفن كقوله تعالى:
وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون
[يس: 41]، وقال تعالى:
إنا لما طغا المآء حملناكم في الجارية
[الحاقة: 11]، ولهذا قال ههنا: ﴿ فهل من مدكر ﴾ أي فهل من يتذكر ويتعظ؟ وقوله تعالى: ﴿ فكيف كان عذابي ونذر ﴾ أي كيف كان عذابي لمن كفر بي وكذب رسلي ولم يتعظ بما جاءت به نذري، وكيف انتصرت لهم وأخذت لهم بالثأر، ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ أي سهلنا لفظه ويسرنا معناه لمن أراده ليتذكر الناس، كما قال:
كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب
[ص: 29]، وقال تعالى:
فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا
[مريم: 97]، قال مجاهد: ﴿ ولقد يسرنا القرآن للذكر ﴾ يعني هونا قراءته، وقال السدي: يسرنا تلاوته على الألسن، وقال ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل، وقوله: ﴿ فهل من مدكر ﴾ أي فهل من متذكر بهذا القرآن الذي قد يسر الله حفظه ومعناه؟ وقال القرظي: فهل من منزجر عن المعاصي؟ وروى ابن أبي حاتم، عن مطر الوراق في قوله تعالى: ﴿ فهل من مدكر ﴾ هل من طالب علم فيعان عليه.