54.18-22
يقول تعالى مخبرا عن عاد قوم (هود) أنهم كذبوا رسولهم، كما صنع قوم (نوح) وأنه تعالى أرسل ﴿ عليهم ريحا صرصرا ﴾ ، وهي الباردة الشديدة البرد، ﴿ في يوم نحس مستمر ﴾ عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، وقوله تعالى: ﴿ تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر ﴾ وذلك أن الريح كانت تأتي أحدهم فترفعه حتى تغيبه عن الأبصار، ثم تنكسه على أم رأسه فيسقط إلى الأرض، فتثلغ رأسه فيبقى جثة بلا رأس، ولهذا قال: ﴿ كأنهم أعجاز نخل منقعر * فكيف كان عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر ﴾.
54.23-32
وهذا إخبار عن ثمود أنهم كذبوا رسولهم صالحا ﴿ فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلال وسعر ﴾ يقولون: لقد خبنا وخسرنا إن سلمنا كلنا قيادنا لواحد منا، ثم تعجبوا من إلقاء الوحي عليه خاصة من دونهم، ثم رموه بالكذب. فقالوا ﴿ بل هو كذاب أشر ﴾ أي متجاوز في حد الكذب، قال الله تعالى: ﴿ سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ﴾ وهذا تهديد لهم شديد ووعيد أكيد، ثم قال تعالى: ﴿ إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ﴾ أي اختبارا لهم، أخرج الله تعالى لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء، طبق ما سألوا، لتكون حجة الله عليهم في تصديق (صالح) عليه السلام فيما جاءهم به، ثم قال تعالى آمرا لعبده ورسوله صالح ﴿ فارتقبهم واصطبر ﴾ ، أي انتظر ما يؤول إليه أمرهم واصبر عليهم، فإن العاقبة لك والنصر في الدنيا والآخرة ﴿ ونبئهم أن المآء قسمة بينهم ﴾ أي يوم لهم ويوم للناقة، كقوله:
قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم
[الشعراء: 155]، وقوله تعالى: ﴿ كل شرب محتضر ﴾ قال مجاهد: إذا غابت حضروا الماء، وإذا جاءت حضروا اللبن، ثم قال تعالى: ﴿ فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر ﴾ قال المفسرون: هو عاقر الناقة واسمه (قدار بن سالف) وكان أشقى قومه، كقوله:
إذ انبعث أشقاها
[الشمس: 12]، ﴿ فتعاطى ﴾ أي حسر ﴿ فعقر * فكيف كان عذابي ونذر ﴾ أي فعاقبتهم فكيف كان عقابي لهم على كفرهم بي وتكذيبهم رسولي، ﴿ إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ﴾ أي فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية، وخمدوا وهمدوا كما يهمد يبيس الزرع والنبات، قاله غير واحد من المفسرين و ﴿ المحتظر ﴾ قال السدي: هو المرعى بالصحراء حين ييبس ويحترق وتسفيه الريح، وقال ابن زيد: كانت العرب يجعلون حظارا على الإبل والمواشي من يبس الشوك، فهو المراد من قوله: ﴿ كهشيم المحتظر ﴾.