36.18-19
فعند ذلك قال لهم أهل القرية: ﴿ إنا تطيرنا بكم ﴾ أي لم نر على وجوهكم خيرا في عيشنا، وقال قتادة: يقولون إن أصابنا شر فإنما هو من أجلكم، وقال مجاهد: يقولون: لم يدخل مثلكم إلى قرية إلا عذب أهلها ﴿ لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ﴾ ، قال قتادة: بالحجارة، وقال مجاهد: بالشتم ﴿ وليمسنكم منا عذاب أليم ﴾ أي عقوبة شديدة، فقالت لهم رسلهم: ﴿ طائركم معكم ﴾ أي مردود عليكم، كقوله تعالى في قوم فرعون:
وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله
[الأعراف: 131]، وقال قوم صالح:
اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله
[النمل: 47]، وقال قتادة ووهب بن منبه: أي أعمالكم معكم، وقوله تعالى: ﴿ أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون ﴾ أي من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، قابلتمونا بهذا الكلام وتوعدتمونا وتهددتمونا، ﴿ بل أنتم قوم مسرفون ﴾ ، وقال قتادة: أي إن ذكرناكم بالله تطيرتم منا بل أنتم قوم مسرفون.
36.20-25
قال وهب بن منبه: إن أهل القرية هموا بقتل رسلهم، فجاءهم رجل من أقصى المدينة يسعى لينصرهم من قومه، قالوا: وهو (حبيب) وكان يعمل الحرير وهو الحباك، وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان كثير الصدقة يتصدق بنصف كسبه مستقيم الفطرة، وقال ابن عباس: اسم صاحب يس (حبيب النجار) فقتله قومه، وقال السدي: كان قصارا، وقال قتادة: كان يتعبد في غار هناك، ﴿ قال يقوم اتبعوا المرسلين ﴾ يحض قومه على اتباع الرسل الذين أتوهم ﴿ اتبعوا من لا يسألكم أجرا ﴾ أي على إبلاغ الرسالة ﴿ وهم مهتدون ﴾ فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ أي وما يمنعني من إخلاص العبادة للذي خلقني وحده لا شريك له، ﴿ وإليه ترجعون ﴾ أي يوم المعاد فيجازيكم على أعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ﴿ أأتخذ من دونه آلهة ﴾؟ استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ﴿ إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ﴾ أي هذه الآلهة التي تعبدونها من دونه، لا يملكون من الأمر شيئا، فإن الله تعالى لو أرادني بسوء،
فلا كاشف له إلا هو
[الأنعام: 17]، وهذه الأصنام لا تملك دفع ذلك ولا منعه، ولا ينقذونني مما أنا فيه ﴿ إني إذا لفي ضلال مبين ﴾ أي إن اتخذتها آلهة من دون الله، وقوله تعالى: ﴿ إني آمنت بربكم فاسمعون ﴾ قال ابن إسحاق: يقول لقومه: ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ الذي كفرتم به ﴿ فاسمعون ﴾ أي فاسمعوا قولي، ويحتمل أن يكون خطابه للرسل بقوله: ﴿ إني آمنت بربكم ﴾ أي الذي أرسلكم ﴿ فاسمعون ﴾ أي فاشهدوا لي بذلك عنده، وقد حكاه ابن جرير فقال: وقال آخرون: بل خاطب بذلك الرسل وقال لهم: اسمعوا قولي لتشهدوا لي بما أقول لكم عند ربي، إني آمنت بربكم واتبعتكم، وهذا القول أظهر في المعنى والله أعلم، قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس: فلما قال ذلك وثبوا عليه وثبة رجل واحد فقتلوه، ولم يكن له أحد يمنع عنه، وقال قتادة: جعلوا يرجمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، فلم يزالوا به حتى أقعصوه، وهو يقول كذلك، فقتلوه رحمه الله.