تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قالت: فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل، هو الذي أنزل براءتي، وأنزل الله عز وجل: ﴿ إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم ﴾ العشر الآيات كلها، فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه، وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى ﴾ إلى قوله: ﴿ ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم ﴾ ، فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل (زينب نبت جحش) زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري، فقال: " يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ " فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع، وطفقت أختها (حمنة بنت جحش) تحارب لها فهلكت فيمن هلك، قال ابن شهاب فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط ".

وروى الإمام أحمد عن عائشة قالت: لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم، وروى الإمام أحمد أيضا عن مسروق

" عن أم رومان قالت: بينا أنا عند عائشة إذ دخلت عليها امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بابنها وفعل، فقالت عائشة: ولم؟ قالت: إنه كان فيمن حدث الحديث، قالت: وأي الحديث؟ قالت: كذا وكذا، قالت: وقد بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، قالت: وبلغ أبا بكر؟ قالت: نعم، فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، قالت: فقمت فدثرتها، قالت: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال: " فما شأن هذه؟ " فقلت: يا رسول الله أخذتها حمى بنافض، قال: " فلعله في حديث تحدث به " قالت: فاستوت عائشة قاعدة، فقالت: والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني، ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني، فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال: ﴿ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون ﴾ قالت: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عذرها، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فدخل، فقال يا عائشة: " إن الله تعالى قد أنزل عذرك " ، فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فقال لها أبو بكر، تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: نعم، قالت: وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر، فحلف أن لا يصله، فأنزل الله: ﴿ ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة ﴾ إلى آخر الآية، فقال أبو بكر بلى فوصله ".

فقوله تعالى: ﴿ إن الذين جآءوا بالإفك ﴾ أي الكذب والبهت والافتراء ﴿ عصبة ﴾ أي جماعة منكم ﴿ لا تحسبوه شرا لكم ﴾ أي يا آل أبي بكر ﴿ بل هو خير لكم ﴾ أي في الدنيا والآخرة، لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة، وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم، ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها وهي في سياق الموت، قال لها: أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك، ونزلت براءتك من السماء، وقوله تعالى: ﴿ لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم ﴾ أي لكل من تكلم في هذه القضية، ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب، ﴿ والذي تولى كبره منهم ﴾ قيل: ابتدأ به، وقيل: الذي كان يجمعه ويذيعه ويشيعه ﴿ له عذاب عظيم ﴾ أي على ذلك، ثم الاكثرون على أن المراد بذلك إنما هو (عبد الله بن أبي بن سلول) قبحه الله تعالى ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث؛ وقيل بل المراد به حسان بن ثابت، وهو قول غريب، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره، وهو الذي قال له صلى الله عليه وسلم:

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١١٧٣