تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقوله تعالى: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ أي في حكم الله أي لا ترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على ترك الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك، قال مجاهد ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل، وقد جاء في الحديث:

" تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب "

، وفي الحديث الآخر:

" لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين يوما "

، وقيل المراد: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح، قال عامر الشعبي: رحمة في شدة الضرب، وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح، وقال: هذا في الحكم والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال، قلت: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها، وقوله تعالى: ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ أي فافعلوا ذلك وأقيموا الحدود على من زنى وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحا، ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في " المسند " عن بعض الصحابة أنه قال:

" يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها، فقال: " ولك في ذلك أجر "

، وقوله تعالى: ﴿ وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين ﴾ هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا، قال الحسن البصري في قوله ﴿ وليشهد عذابهما طآئفة من المؤمنين ﴾: يعني علانية، والطائفة الرجل فما فوقه، وقال مجاهد: الطائفة الرجل الواحد إلى الألف، وكذا قال عكرمة ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد، وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان، وقال الزهري ثلاثة نفر فصاعدا، وقال الإمام مالك: الطائفة أربعة نفر فصاعدا، لأنه لا يكفي شهادة في الزنا إلا أربعة شهداء فصاعدا، وبه قال الشافعي، وقال الحسن البصري: عشرة، وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين: أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا.

مختصر تفسير ابن كثير · الصفحة ١١٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مختصر تفسير ابن كثيرص ١١٦٥