وقوله تعالى: ﴿ والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ﴾ أي إذا أؤتمنوا لم يخونوا بل يؤدونها إلى أهلها، وإذا عاهدوا أو عاقدوا أوفوا بذلك، لا كصفات المنافقين الذين قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان "
، وقوله: ﴿ والذين هم على صلواتهم يحافظون ﴾ أي يواظبون عليها في مواقيتها كما قال ابن مسعود:
" سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله؟ قال: " الصلاة على وقتها " قلت: ثم أي؟ قال: " بر الوالدين " ، قلت: ثم أي؟ قال: " الجهاد في سبيل الله "
، وفي " مستدرك " الحاكم قال:
" الصلاة في أول وقتها "
، وقال ابن مسعود ومسروق في قوله: ﴿ والذين هم على صلواتهم يحافظون ﴾ يعني مواقيت الصلاة، وقال قتادة: على مواقيتها وركوعها وسجودها، وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة واختتمها بالصلاة، فدل على أفضليتها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة قال: ﴿ أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ﴾ ، وثبت في " الصحيحين ":
" إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن "
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: ﴿ أولئك هم الوارثون ﴾ "
وقال مجاهد: ما من عبد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة، ويهدم بيته الذي في النار، وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة، ويبني بيته الذي في النار، فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم أطاعوا ربهم عز وجل بل أبلغ من هذا أيضا، وهو ما ثبت في " صحيح مسلم " عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقال هذا فكاكك من النار "
، فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: فحلف له. قلت: وهذه الآية كقوله تعالى:
تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
[مريم: 63]، وكقوله:
وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون
[الزخرف: 72] وقد قال مجاهد: الجنة هي الفردوس، وقال بعض السلف: لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب، فالله أعلم.