ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ ذلِكَ الحَلِيفِ المُشْرِكِ ) ، فَكَانُوا كَمَنِ اشْتَرَى الحَيَاةَ الدُّنيا بِالآخِرَةِ . وَهؤلاءِ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ ، وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم نَاصِراً يُنْقِذُهُمْ مِنَ العَذَابِ ، وَلا مُجِيراً يُجِيرُهُمْ ..
ولقد كان هذا الذي يواجههم به واقعاً قريب العهد قبيل غلبة الإسلام على الأوس والخزرج . كان الأوس والخزرج مشركين ، وكان الحيّان أشد ما يكون حيّان من العرب عداء . وكان اليهود في المدينة ثلاثة أحياء ترتبط بعهود مع هذا الحي وذاك من المشركين . . كان بنو قينقاع وبنو النضير حلفاء الخزرج ، وكان بنو قريظة حلفاء الأوس . فكانت الحرب إذا نشبت بينهم قاتل كل فريق مع حلفائه؛ فيقتل اليهودي أعداءه ، وقد يقتل اليهودي اليهودي من الفريق الآخر - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - وكانوا يخرجونهم من ديارهم إذا غلب فريقهم وينهبون أموالهم ويأخذون سباياهم - وهذا حرام عليهم بنص ميثاق الله معهم - ثم إذا وضعت الحرب أوزارها فادوا الأسارى ، وفكوا أسر المأسورين من اليهود هنا أو هناك ، عندهم أو عند حلفائهم أو أعداء حلفائهم على السواء - وذلك عملاً بحكم التوراة وقد جاء فيها : إنك لا تجد مملوكاً من بني إسرائيل إلا أخذته فأعتقته . .
هذا التناقض هو الذي يواجههم به القرآن؛ وهو يسألهم في استنكار :﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض؟ ﴾ . .وهذا هو نقض الميثاق الذي يتهددهم عليه بالخزي في الحياة الدنيا ، والعذاب الأشد في الآخرة . مع التهديد الخفي بأن الله ليس غافلاً عنه ولا متجاوزاً :
﴿ فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب . وما الله بغافل عما تعملون ﴾ . .ثم يلتفت إلى المسلمين وإلى البشرية جميعاً ، وهو يعلن حقيقتهم وحقيقة عملهم :﴿ أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة . فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ﴾ . .
وكذبوا إذن في دعواهم أن لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة . . فهؤلاء هم هناك : ﴿ فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون ﴾ . .
وقصة شرائهم الحياة الدنيا بالآخرة هنا في هذه المناسبة : هي أن الدافع لهم على مخالفة ميثاقهم مع الله ، هو استمساكهم بميثاقهم مع المشركين في حلف يقتضي مخالفة دينهم وكتابهم . فإن انقسامهم فريقين ، وانضمامهم إلى حلفين ، هي هي خطة إسرائيل التقليدية ، في إمساك العصا من الوسط؛ والانضمام إلى المعسكرات المتطاحنة كلها من باب الاحتياط ، لتحقيق بعض المغانم على أية حال؛ وضمان صوالح اليهود في النهاية سواء انتصر هذا المعسكر أم ذاك! وهي خطة من لا يثق بالله ، ولا يستمسك بميثاقه ، ويجعل اعتماده كله على الدهاء ، ومواثيق الأرض ، والاستنصار بالعباد لا برب العباد . والإيمان يحرم على أهله الدخول في حلف يناقض ميثاقهم مع ربهم ، ويناقض تكاليف