وهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله - إلى الطاغوت - قد يكونون جماعة من المنافقين - كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة - وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يُدعَوْن - حين تجدّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة - إلى التحاكم إلى كتاب الله فيها . . التوراة أحياناً ، وإلى حكم الرسول أحيانا - كما وقع في بعض الأقضية - فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائداً . . ولكننا نرجح الفرض الأول لقوله فيهم : ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ . . واليهود لم يكونوا يسلمون أو يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول . إنما كان المنافقون هم الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله ( كما هو مقتضى العقيدة الإسلامية من الإيمان بالرسل كلهم ) .وهذا لم يكن يقع إلا في السنوات الأولى للهجرة . قبل أن تخضد شوكة اليهود في بني قريظة وفي خيبر . وقبل أن يتضاءل شأن المنافقين بانتهاء شأن اليهود في المدينة!
على أية حال نحن نجد في هذه المجموعة من الآيات ، تحديداً كاملاً دقيقاً حاسماً لشرط الإيمان وحد الإسلام ، ونجد شهادة من الله بعدم إيمان الذين ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ﴾ ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ كما نجد قسماً من الله سبحانه - بذاته العلية - أنهم لا يدخلون في الإيمان؛ ولا يحسبون مؤمنين حتى يحكموا الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أقضيتهم . ثم يطيعوا حكمه ، وينفذوا قضاءه . طاعة الرضى ، وتنفيذ الارتياح القلبي؛ الذي هو التسليم ، لا عجزاً واضطراراً .ولكن طمأنينة وارتضاء . .﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ . .ألم تر إلى هذا العجب العاجب . . قوم . . يزعمون . . الإيمان . ثم يهدمون هذا الزعم في آن؟! قوم ﴿ يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك ﴾ . ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر ، وإلى منهج آخر ، وإلى حكم آخر . . يريدون أن يتحاكموا إلى . . الطاغوت . . الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . ولا ضابط له ولا ميزان ، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك . . ومن ثم فهو . . طاغوت . . طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية . وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضاً! وهم لا يفعلون هذا عن جهل ، ولا عن ظن . . إنما هم يعلمون يقيناً ويعرفون تماماً ، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه : ﴿ وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ . . فليس في الأمر جهالة ولا ظن . بل هو العمد والقصد . ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم . زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب . .
﴿ ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً ﴾ . .فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت . وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى