تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وَعِبَادَةٍ غيرِ اللهِ تَعَالى ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلى الإِدِراكِ والاستبْصَارِ ، والتَّميِيز بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ ، وَلِذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُذْرٌ في الغَفْلَةِ ، وَعَدَمِ التَّبَصُّرِ في العَواقِبِ .

واذْكُر لِهؤلاءِ المُغْتَرِّينَ بأَمْوالِهِمْ مِنْ قُريشٍ كَيفَ أَهْلَكَ اللهُ قَارُونَ صَاحِبَ الأموالِ الكثيرةِ ، إِذْ خَسَفَ بهِ وبِدَارِهِ وكُنُوزِهِ الأَرْضَ ، كَمَا أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ مَلِكَ مِصْرَ وَوَزِيرَهُ هَامَانَ ، فَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بالحُحَجِ والبَيِّنَاتِ الدَّالَّةِ عَلى صِدْقِ رِسَالتِهِ ، فاسْتَكْبَرُوا في الأرضِ بغيرِ الحَقِّ ، وأََبَوا أَنْ يُصَدِّقُوهُ وأَنْ يُؤمِنُوا لَهُ ، وَلَمْ يَكُونُوا فَائِتينَ الله ، وَلاَ نَاجِينَ مِنْ عِقَابِهِ ، فَهُوَ تَعَالَى قَادِرٌ عَليهِمْ في كُلِّ حِينٍ ، وَهُوَ عَزيزٌ ذُو انتِقَامٍ.

وَقَدْ أَرسَلَ اللهُ تَعَالى عَلَى كُلِّ فِئَةٍ لوناً مِنْ ألوانِ العَذَابِ يَتَنَاسَبُ مَعَ عُتَوِّهِمْ وَجَرَائِمِِهِمْ :

- فَقَومُ عَادٍ كَانُوا يَقُولُونَ : ( مَنْ أَشَدُّ مِنّا قُوَّةً ) ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ ، رِيحاً شَدِيدَةَ البُرُودَةِ ( صَرْصَراً ) ، بَالِغَةَ العُنفِ والعُتُوِّ ( عَاتِيَةً ) ، تَحْمِلُ الحَصْبَاءَ ، وَترِمِيهِمْ بِها ، فَأَهْلَكَنْهُمْ جَمِيعاً .

- وقَومُ ثَمودَ كَذَّبُوا رَسُولَهُم صَالِحاً ، وَتَهَدَّدُوهُ وَعَقَرُوا النَّاقَةَ ، فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَيهِمْ صَيْحَةً أًَخْمَدَتْ أَنفَاسَهُمْ ، وَلَمْ تَتْرُكْ مِنْهُمْ أَحَداً .

- وَقَارُونُ طًغَى وَبَغَى وعَصَى اللهَ ، وَمَشَى في الأَرْضِ ، مَرَحاً فَخَسَفَ اللهُ بهِ وبِدَارِهِ الأَرضَ ، وأَهلَكَهُ وكُنُوزَهُ .

- وَفِرْعَوْنُ وهَامَانُ وقَومُهُما مِنَ القِبطِ أَغرَقَهُمُ اللهُ في صَبيحَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَكانَتْ هذهِ العَقُوبَةُ جَزَاءً عَلَى مَا اجتَرَحُوهُ مِنَ الإِجْرامِ ، ولمْ يَظْلِمْهُمُ اللهُ فيما فَعَلَ بِهِمْ ، ولَكِنَّهُمْ هُمُ الذينَ كَانُوا يَظْلِمُونَ أَنَفُسَهُمْ بِالكُفْرِ ، والبَطَرِ والعُتُوِّ والطُّغيَانِ ، فَأَوْصَلُوها إِلى العَذَابِ والبَلاَءِ الذي حَلَّ بِها ..

وعاد كانت تسكن بالأحقاف في جنوب الجزيرة بالقرب من حضرموت ، وثمود كانت تسكن بالحجر في شمال الجزيرة بالقرب من وادي القرى . وقد هلكت عاد بريح صرصر عاتية ، وهلكت ثمود بالصيحة المزلزلة . وبقيت مساكنها معروفة للعرب يمرون عليها في رحلتي الشتاء والصيف ، ويشهدون آثار التدمير ، بعد العز والتمكين .

وهذه الإشارة المجملة تكشف عن سر ضلالهم ، وهو سر ضلال الآخرين .

﴿ وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين ﴾ . .فقد كانت لهم عقول ، وكانت أمامهم دلائل الهدى؛ ولكن الشيطان استهواهم وزين لهم أعمالهم . وأتاهم من هذه الثغرة المكشوفة ، وهي غرورهم بأنفسهم ، وإعجابهم بما يأتونه من الأعمال ، وانخداعهم بما هم فيه من قوة ومال ومتاع . ﴿ فصدهم عن السبيل ﴾ سبيل الهدى الواحد المؤدي إلى الإيمان . وضيع عليهم الفرصة ﴿ وكانوا مستبصرين ﴾ يملكون التبصر ، وفيهم مدارك ولهم عقول .

وإشارة إلى قارون وفرعون وهامان . ﴿ ولقد جاءهم موسى بالبينات ، فاستكبروا في الأرض ، وما كانوا سابقين ﴾ . .

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٦٢