قَبْلَ ذَلِكَ وَلَهَا حُجَّةٌ عِنْدَ نَفْسِهَا مِنْ جِهَةِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ ؛ يَكُونُ ذَلِكَ الْغَيْرُ قَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَالْمُسْلِمِينَ ؛ وَإِنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنْ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ ؛ وَالْجِهَادُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الدِّينِ ."(1)
وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً : " فَإِنَّ النَّاسَ لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي أَنَّ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَخِيمَةٌ وَعَاقِبَةُ الْعَدْلِ كَرِيمَةٌ وَلِهَذَا يُرْوَى : " ﴿ اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلَا يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً ﴾ "(2)
-------------------
وقال تعالى : ﴿ وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا﴾ (59) سورة الكهف
لَقَدْ أَهْلَكَ اللهُ الأُمَمَ السَّالِفَةَ : عَاداً وَثَمُودَ وَقَوْمَ نُوحٍ وَقَوْمَ لُوطٍ وَأَصْحَابَ الأَيْكَةِ . . وَدَمَّرَ قُرَاهُمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ، وَعِنَادِهِمْ ، وَجَعَلَ لِمَهْلِكِهِمْ وَقْتاً مُعَيَّناً ( مَوْعِداً ) ، لاَ يَزِيدُ وَلاَ يَنْقُصُ ، فَاحْذَرُوا ، أَيُّهَا المُشْرِكُونَ ، أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ إِنْ تَمَادَيْتُمْ فِي تَكْذِيبِ رَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - ..
وعَنْ أَبِى مُوسَى - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : « إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِى لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ » . قَالَ ثُمَّ قَرَأَ :﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (102) سورة هود "صحيح البخاري(3)
-------------------
وقال تعالى : ﴿ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5) فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9) وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) [الأعراف/4-10] ﴾
وَكَثِيرٌ مِنَ القُرَى ( أَوِ البِلاَدِ ) أَهْلَكَ اللهُ أَهْلَهَا ، لِمُخَالَفَتِهِمْ رُسُلَ رَبِّهِمْ فِيما جَاؤُوهُمْ بِهِ ، وَتَكْذِيبِهمْ إِيَّاهُمْ ، فَأَخْزَاهُمُ اللهُ فِي الدُّنيا ، وَسَيُذِلُّهُمْ فِي الآخِرَةِ ، فَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَبَأْسُهُ لَيلاَ ( بَيَاتاً ) وَمِنْهُمْ مَنْ جَاءَهُمْ نَهَاراً وَهُمْ يَسْتَرِيحُونَ وَسَطَ النَّهَارِ ( قَائِلُونَ ) ، وَكِلاَ الوَقْتَينِ وَقْتُ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وَلَهْوٍ ، فَعَلى العَاقِلِ أَلاَّ يَغْتَرَّ بِالدُّنْيَا ، وَأَلاَّ يَأْمَنَ غَدْرَ اللَّيَالِي .
وَحِينَ جَاءَهُمُ العَذَابُ لَمْ يَقُولُوا شَيْئاً غَيْرَ الاعْتِرَافِ بِذُنُوبِهِمْ ، وَظُلْمِهِمْ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ ، وَشَهِدُوا بِبُطْلاَنِهِ ، وَبِأَنَّهُم حَقِيقُونَ بِهَذا العَذَابِ الذِي نَزَلَ بِهِمْ ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَظْلِمْهُمْ .
(1) -مجموع الفتاوى - (ج 28 / ص 146)
(2) - مجموع الفتاوى - (28 / 62)
(3) - 94/6 برقم (4686)