تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثاني اثنين إذ هما في الغار . إذ يقول لصاحبه : لا تحزن إن الله معنا . فأنزل الله سكينته عليه ، وأيده بجنود لم تروها ، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ، وكلمة الله هي العليا ، والله عزيز حكيم } ..

ذلك حين ضاقت قريش بمحمد ذرعاً ، كما تضيق القوة الغاشمة دائماً بكلمة الحق ، لا تملك لها دفعاً ، ولا تطيق عليها صبراً ، فائتمرت به ، وقررت أن تتخلص منه؛ فأطلعه الله على ما ائتمرت ، وأوحي إليه بالخروج ، فخرج وحيداً إلا من صاحبه الصدّيق ، لا جيش ولا عدة ، وأعداؤه كثر ، وقوتهم إلى قوته ظاهرة . والسياق يرسم مشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه :﴿ إذ هما في الغار ﴾ .

والقوم على إثرهما يتعقبون ، والصديق - رضي الله عنه - يجزع - لا على نفسه ولكن على صاحبه - أن يطلعواعليها فيخلصوا إلى صاحبه الحبيب ، يقول له : لو أن أحدهم نظر إلى قدمية لأبصرنا تحت قدميه . والرسول - صلى الله عليه وسلم - وقد أنزل الله سكينته على قلبه ، يهدئ من روعه ويطمئن من قلبه فيقول له : « يا أبا بكر ما ظنك بأثنين الله ثالثهما؟ » .ثم ماذا كانت العاقبة ، والقوة المادية كلها في جانب ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع صاحبه منها مجرد؟ كان النصر المؤزر من عند الله بجنود لم يرها الناس . وكانت الهزيمة للذين كفروا والذل والصغار :﴿ وجعل كلمة الذين كفروا السفلى ﴾ .وظلت كلمة الله في مكانها العالي منتصرة قوية نافذة :﴿ وكلمة الله هي العليا ﴾ . .وقد قرئ « ﴿ وكلمةَ الله ﴾ بالنصب . ولكن القراءة بالرفع أقوى في المعنى . لأنها تعطي معنى التقرير . فكلمة الله هي العليا طبيعة وأصلاً ، بدون تصيير متعلق بحادثة معينة . والله ﴿ عزيز ﴾ لا يذل أولياؤه ﴿ حكيم ﴾ يقدر النصر في حينه لمن يستحقه ،ذلك مثل على نصرة الله لرسوله ولكلمته؛ والله قادر على أن يعيده على أيدي قوم آخرين غير الذين يتثاقلون ويتباطأون . وهو مثل من الواقع إن كانوا في حاجة بعد قول الله إلى دليل!

وفي ظلال هذا المثل الواقع المؤثر يدعوهم إلى النفرة العامة ، لا يعوقهم معوق . ولا يقعد بهم طارئ ، إن كانوا يريدون لأنفسهم الخير في هذه الأرض وفي الدار الآخرة :﴿ انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله . ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ . .انفروا في كل حال ، وجاهدوا بالنفوس والأموال ، ولا تتلمسوا الحجج والمعاذير ، ولا تخضعوا للعوائق والتعلات .﴿ ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ .وأدرك المؤمنون المخلصون هذا الخير . فنفروا والعوائق في طريقهم ، والأعذار حاضرة لو أرادوا التمسك بالأعذار . ففتح الله عليهم القلوب والأرضين ، وأعز بهم كلمة الله ، وأعزهم بكلمة الله ، وحقق على أيديهم ما يعد خارقة في تاريخ الفتوح .قرأ أبو طلحة - رضي الله عنه - سورة براءة فأتى على هذه الآية فقال : أرى ربنا استنفرنا شيوخاً وشباناً ، جهزوني يا بني . فقال بنوه : يرحمك الله قد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى مات ، ومع أبي بكر حتى مات ، ومع عمر حتى مات ، فنحن نغزو عنك .فأبى فركب البحر فمات ، فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد تسعة أيام ، فلم يتغير ، فدفنوه بها

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٢٩