تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والتعبير يجعل أمرهم كله شورى , ليصبغ الحياة كلها بهذه الصبغة . وهو كما قلنا نص مكي . كان قبل قيام الدولة الإسلامية . فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة في حياة المسلمين . إنه طابع الجماعة الإسلامية في كل حالاتها , ولو كانت الدولة بمعناها الخاص لم تقم فيها بعد .

والواقع أن الدولة في الإسلام ليست سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها الذاتية . والجماعة تتضمن الدولة وتنهض وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته على الحياة الفردية والجماعية

ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة مبكراً , وكان مدلوله أوسع وأعمق من محيط الدولة وشؤون الحكم فيها . إنه طابع ذاتي للحياة الإسلامية , وسمة مميزة للجماعة المختارة لقيادة البشرية . وهي من ألزم صفات القيادة .

أما الشكل الذي تتم به الشورى فليس مصبوباً في قالب حديدي ; فهو متروك للصورة الملائمة لكل بيئة وزمان , لتحقيق ذلك الطابع في حياة الجماعة الإسلامية . والنظم الإسلامية كلها ليست أشكالاً جامدة , وليست نصوصاً حرفية , إنما هي قبل كل شيء روح ينشأ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب , وتكيف الشعور والسلوك بهذه الحقيقة . والبحث في أشكال الأنظمة الإسلامية دون الاهتمام بحقيقة الإيمان الكامنة وراءها لا يؤدي إلى شيء . .

وليس هذا كلاماً عائماً غير مضبوط كما قد يبدو لأول وهلة لمن لا يعرف حقيقة الإيمان بالعقيدة الإسلامية . فهذه العقيدة - في أصولها الاعتقادية البحتة , وقبل أي التفات إلى الأنظمة فيها - تحوي حقائق نفسية وعقلية هي في ذاتها شيء له وجود وفاعلية وأثر في الكيان البشري , يهيىء لإفراز أشكال معينة من النظم وأوضاع معينة في الحياة البشرية ; ثم تجيء النصوص بعد ذلك مشيرة إلى هذه الأشكال والأوضاع , لمجرد تنظيمها لا لخلقها وإنشائها . ولكي يقوم أي شكل من أشكال النظم الإسلامية , لا بد قبلها من وجود مسلمين , ومن وجود إيمان ذي فاعلية وأثر . والإ فكل الأشكال التنظيمية لا تفي بالحاجة , ولا تحقق نظاماً يصح وصفه بأنه إسلامي . .

ومتى وجد المسلمون حقاً , ووجد الإيمان في قلوبهم بحقيقته , نشأ النظام الإسلامي نشأة ذاتية , وقامت صورة منه تناسب هؤلاء المسلمين وبيئتهم وأحوالهم كلها ; وتحقق المبادىء الإسلامية الكلية خير تحقيق .

(ومما رزقناهم ينفقون) . . وهو نص مبكر كذلك على تحديد فرائض الزكاة التي حددت في السنة الثانية من الهجرة . ولكن الإنفاق العام من رزق الله كان توجيهاً مبكراً في حياة الجماعة الإسلامية . بل إنه ولد مع مولدها

ولا بد للدعوة من الإنفاق . لا بد منه تطهيراً للقلب من الشح , واستعلاء على حب الملك , وثقة بما عند الله . وكل هذه ضرورية لاستكمال معنى الإيمان . ثم إنها ضرورية كذلك لحياة الجماعة . فالدعوة كفاح . ولا بد من التكافل في هذا الكفاح وجرائره وآثاره . وأحياناً يكون هذا التكافل

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩١١