تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشخصي وتحقيق المغانم . إذ يصبح القلب متعلقاً بهدف أبعد من ذاته ; ويحس أن ليس له من الأمر شيء , إنما هي دعوة الله , وهو فيها أجير عند الله !

وهذا الشعور ألزم ما يكون لمن توكل إليه مهمة القيادة كي لا يقنط إذا أعرض عنه القطيع الشارد أو أوذي في الدعوة ; ولا يغتر إذا ما استجابت له الجماهير , أو دانت له الرقاب . فإنما هو أجير .

ولقد آمنت العصبة الأولى من المسلمين إيماناً كاملاً أثر في نفوسهم وأخلاقهم وسلوكهم تأثيراً عجيباً . وكانت صورة الإيمان في نفس البشرية قد بهتت وغمضت حتى فقدت تأثيرها في اخلاق الناس وسلوكهم , فلما أن جاء الإسلام أنشأ صورة للإيمان حية مؤثرة فاعلة تصلح بها هذه العصبة للقيادة التي وضعت على عاتقها .

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" . عن هذا الإيمان:

"انحلت العقدة الكبرى - عقدة الشرك والكفر - فانحلت العقد كلها ; وجاهدهم الرسول جهاده الأول , فلم يحتج إلى جهاد مستأنف لكل أمر ونهي , وانتصر الإسلام على الجاهلية في المعركة الأولى , فكان النصر حليفه في كل معركة ; وقد دخلوا في السلم كافة بقلوبهم وجوارحهم وأرواحهم كافة , لا يشاقون الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى , ولا يجدون في أنفسهم حرجاً مما قضى , ولا يكون لهم الخيرة من بعد ما أمر أو نهى . . . . "

"حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم - بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم - وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم , وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة , وفي اليوم رجال الغد , لا تجزعهم مصيبة , ولا تبطرهم نعمة , ولا يشغلهم فقر , ولا يطغيهم غنى , ولا تلهيهم تجارة , ولا تستخفهم قوة , ولا يريدون علواً في الأرض ولا فسادا , وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم , قوامين بالقسط شهداء لله على أنفسهم أو الوالدين والأقربين . . وطأ لهم أكناف الأرض , وأصبحوا عصمة للبشرية , ووقاية للعالم . وداعية إلى دين الله . . . "

ويقول عن تأثير الإيمان الصحيح في الأخلاق والميول:

"كان الناس عرباً وعجماً يعيشون حياة جاهلية , يسجدون فيها لكل ما خلق لأجلهم ويخضع لإرادتهم وتصرفهم , لا يثيب الطائع بجائزة , ولا يعذب العاصي بعقوبة , ولا يأمر ولا ينهى ; فكانت الديانة سطحية طافية في حياتهم , ليس لها سلطان على أرواحهم ونفوسهم وقلوبهم , ولا تأثير لها في أخلاقهم واجتماعهم . كانوا يؤمنون بالله كصانع أتم عمله واعتزل وتنازل عن مملكته لأناس خلع عليهم خلعة الربوبية ; فأخذوا بأيديهم أزمة الأمر , وتولوا إدارة المملكة وتدبير شؤونها وتوزيع أرزاقها , إلى غير ذلك من مصالح الحكومة المنظمة . فكان إيمانهم بالله لا يزيد على معرفة تاريخية , وكان إيمانهم بالله , وإحالتهم خلق السماوات والأرض إلى الله لا يختلف عن جواب تلميذ من تلاميذ فن التاريخ , يقال له:من بنى هذا القصر العتيق ? فيسمي ملكا من الملوك الأقدمين من غير

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٩٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٩٠٩