تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فَقَالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لِلْمَلِكِ : اجْعَلْنِي حَافِظاً عَلَى خَزَائِنِ مُلْكِكَ ، فَإِنِّي خَازِنٌ أَمِينٌ شَدِيدُ الحِفْظِ ، فَلاَ يَضِيعُ مِنْهَا شَيْءٌ وَإِنِّي ذُو عِلْمٍ وَذُو بَصِيرَةٍ بِمَا أَقُومُ بِهِ مِنَ الأَعْمَالِ .

وَقَدْ قَبِلَ المَلِكُ عَرْضَ يُوسُفَ ، فَجَعَلَهُ المَلِكُ وَزِيراً . وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى : إِنَّهُ مَكَّنَ بِذَلِكَ لِيُوسُفَ فِي أَرْضِ مِصْرَ ، يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ ، وَإِنَّهُ تَعَالَى يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ، وَلا يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ ، الذِينَ أَحْسَنُوا العَمَلَ ، وَإِنَّهُ لَمْ يُضِعْ صَبْرَ يُوسُفَ عَلَى أَذَى إِخْوَتِهِ ، وَصَبْرَهُ فِي السِّجْنِ .

وَإِنَّ مَا ادَّخَرَهُ اللهُ تَعَالَى لِيُوسُفَ فِي الآخِرَةِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِمَّا أَعْطَاهُ فِي الدُّنْيَا ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللهُ الذِينَ آمَنُوا وَاتَّقَوْا .

لقد تبينت للملك براءة يوسف , وتبين له معها علمه في تفسير الرؤيا , وحكمته في طلب تمحيص أمر النسوة كذلك تبينت له كرامته وإباؤه , وهو لا يتهافت على الخروج من السجن , ولا يتهافت على لقاء الملك . وأي ملك ? ملك مصر !

ولكن يقف وقفة الرجل الكريم المتهم في سمعته , المسجون ظلما , يطلب رفع الاتهام عن سمعته قبل أن يطلب رفع السجن عن بدنه ; ويطلب الكرامة لشخصه ولدينه الذي يمثله قبل أن يطلب الحظوة عند الملك . .

كل أولئك أوقع في نفس الملك احترام هذا الرجل وحبه فقال: (ائتوني به أستخلصه لنفسي) . .

فهو لا يأتي به من السجن ليطلق سراحه ; ولا ليرى هذا الذي يفسر الرؤى ; ولا ليسمعه كلمة "الرضاء الملكي السامي ! " فيطير بها فرحا . .

كلا !

إنما يطلبه ليستخلصه لنفسه , ويجعله بمكان المستشار والنجي والصديق . .

فيا ليت رجالا يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام - وهم أبرياء مطلقو السراح - فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم ; ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء , وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء .

يا ليت رجالا من هؤلاء يقرأون هذا القرآن , ويقرأون قصة يوسف , ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي - أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء !

وقال الملك:ائتوني به استخلصه لنفسي . .

ويحذف السياق جزئية تنفيذ الأمر لنجد يوسف مع الملك . .

(فلما كلمه قال:إنك اليوم لدينا مكين أمين) . .

فلما كلمه تحقق له صدق ما توسمه . فإذا هو يطمئنه على أنه عند الملك ذو مكانة وفي أمان . فليس هو الفتى العبراني الموسوم بالعبودية . إنما هو مكين . وليس هو المتهم المهدد بالسجن . إنما هو أمين . وتلك المكانة وهذا الأمان لدى الملك وفي حماه . فماذا قال يوسف ?

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ٨٩٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ٨٩٨