17/4/1424
بسم الله الرحمن الرحيم
حينَ بَعَثَ اللهُ رسولَه لم يجعلْ ذلك سبباً لتغيير سننِه في خلقِه، بل جعلَ الرسولَ والرِّسالةَ والأتباعَ يعانون ويبذِلُون في سبيلِ تحقيقِ ما إليه يسعَون ويصبُون. فعاشَ المسلمون سنواتٍ في مكَّةَ، قبلَ أنْ يؤذَنَ لهم بالهجرةِ إلى بلادٍ يأمَنُون فيها. عاشوا في مَكَّةَ، وهم قِلَّةٌ مُسْتَضْعَفَةٌ، والمشركون يسومون المستضعفين منهم سوءَ العذابِ، حتى جَرُّوهم على الرَّمْضَاءِ، ووضَعوا على صدورِهم العاريةِ الصخورَ الثقيلةَ الصمَّاءَ، وألهبوا جلودَهم بالنارِ والسِّيَاطِ. وزادَ البلاءُ حتى وَصَلَ إلى غيرِهم مِن أهلِ مكَّةَ، الذين ضُربوا، ولم يَرْقُبِ المشركون فيهم إلاً ولا ذِمَّةً، ولا رَحِمَاً أو رَحْمَةً.
وأُذِنَ للرسولِ الكريمِ بالهجرةِ إلى المدينةِ، بعدَ عشرِ سنواتٍ من الدعوةِ في مكةَ، فلمْ ينطلقْ في طريقِ الهجرةِ التي أمِرَ بها إلا بعدَ أنِ اسْتَعَدَّ للأمرِ، وتَزوَّدَ له؛ فاتَّخَذَ من الصدِّيق أبي بكرٍ رفيقاً، ومِن ابنِ عَمِّه الشُّجاعِ عليٍّ مُضَحِّياً ونصيراً، ومِن عبدالله بن أبي بكرٍ عَيناً ومُعيناً، ومِن رجُلٍ من بني عَدِيٍّ هادياً ودليلاً، واشترى الدَّابةَ اللازمةَ للرحلةِ، وخَرجَ من مكَّةَ مُسْتَتِراً، ومَكَثَ في الغارِ أياماً مُختَفِياً، واتخذَ الليلَ والظلامَ مَطيّةً وجَمَلاً. وانطلقَ مع صاحبِه، والمشركون يتبعون أثرَه، وقد امتلأتِ القِفَارُ بالباحثين عنه، في ظلِّ سيوفٍ مُشْرَعَةٍ، وأعْينٍ مُتيقِّظَةٍ، وأنْفُسٍ ثائرةٍ ملتهبةٍ. ومَكَثَ أياماً يواجهُ فيها المخَاطِرَ، ويقابلُ المصاعِبَ، حتى وَصَلَ إلى طيبةَ بغيتِه، فطافتْ به جُمُوعُ المستقبلين فَرِحَةً مُسْتَبشِرَةً، وتَسَابَقَ الناسُ إلى إكرامِه وحُسْنِ وِفَادتِه، ورَجَا كلٌّ منهم أنْ يكونَ الرسولُ ضيفاً له في بيته. لقد خرجَ الرسولُ من قومِه الأقاربِ وهم يكيدون له، ويرجون قتلَه، ووصلَ إلى قومٍ أباعِدَ وهم يُرحِّبون به، ويرجون بِرَّه، فما أحلى عاقبةَ الصبرِ والبذلِ وألذَّها!!
لقد كان الذي أسرى به ليلاً من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى قادراً على أنْ يسْرِيَ به من مكةَ إلى المدينةِ في لَمْحِ البصرِ، ولكنّ المرادَ أنْ تتعلَّمَ الأمَّةُ أنّ عليها أنْ تبذِلَ في سبيلِ تحقيقِ غاياتِها ورغباتِها، وأنّ قَدْرَها على قَدْرِ هِمَّتِها، وأنّ الكُسَالى ليس لهم من النجاحِ نصيبٌ، وأنّ الأماني من غير سَعْيٍ وكدْحٍ رؤوسُ أموالِ المفاليسِ، وأنّها لا تُنالُ إلا على جسورٍ من التعَبِ، وأنّ النصرَ لا يكونُ بغير البذلِ والنَّصَبِ.
تَرْجُو النَّجَاةَ ولم تَسْلُكْ مَسَالِكَها إنَّ السفينَةَ لا تمشي على اليَبَسِ
هذا الدِّينُ يربِّي أبناءه على عزائمِ الأمورِ ومَعاليها؛ وعلى الترَفُّعِ عن صغائرِها وأدانيها. ومما يُربّى المسلمون عليه: الجِدُّ والاجتهادُ والنشاطُ، وقد قال اللهُ: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) (مريم: من الآية12)، فمَن جَدَّ وَجَدَ، ومَن زَرَعَ حَصَدَ، ومَن جالَ نالَ، ومَن سعى رَعَى، ومَن لم يركبِ الأهوالَ لم ينلِ الآمالَ. ومما يدعو إليه هذا الدِّينُ أنْ يتركَ المرءُ التوانيَ والتواكلَ، وأنْ يأخذَ بالأسبابِ والوسائلِ، ولا تزالُ مقولةُ "اعقلْها وتَوكَّلْ"(1) منارةً للعاملين الطامحين.