تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حينما يتفحص العبد المؤمن أسباب النصر ويراها فإنه يغلب على ظنه جيران سنة الله - سبحانه وتعالى - بالنصر، فإن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لما خرج يوم بدر ولم يكن يبغي قتالاً ثم قضى الله - جل وعلا - بلقاء الفريقين وتوجه - عليه الصلاة والسلام - في ذلك الدعاء المتبتل وتلك النداءات والمناجاة التي استنزل بها نصر الله - جل وعلا - بعد ذلك حينما رجع إلى أصحابه كان يقول - عليه الصلاة والسلام - (أبشروا فوالله إني لأنظر إلى مصارع القوم)وحدد مقتل فلان ومقتل فلان هنا ومقتل فلان هنا، وما ذلك إلا لأنه - عليه الصلاة والسلام - رأى من أصحابه إيماناً ويقيناً قوياً ورأى منهم وحدة وتماسكاً وطيداً ورأى منهم همة عالية ورأى منهم بسالة وشجاعة كبيرة، فرأى بشائر النصر ظاهرة للعيان وكان تثبيت الله من قبل ومن بعد مؤيداً لذلك، ومن هنا كان النصر الذي وقع مطابقاً لما قاله - عليه الصلاة والسلام -.

أبشروا بالنصر

ويوم الخندق يوم اجتمعت على المسلمين شدة البرد مع شدة الجوع مع شدة الخوف وصور القرآن الكريم صورة المسلمين حينما التف واحتف بهم الأعداء من كل جانب (إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) في هذا الكرب العصيب وفي هذه الشدة القاسية نبى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبأ نقض بني قريضة للعهد، وكان ذلك بمثابة الطعن من الخلف وكان بمثابة الزعزعة الشديدة التي فاقت كل ما مضى من قبلها ومع ذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما لحن له السعدان - رضي الله عنهما - وعلم من قولهما نقض قريش للعهد، كان يكبر - عليه الصلاة والسلام - ويقول الله اكبر الله اكبر ابشروا بالنصر، في هذه الشدة العصيبة يبشر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنصر ويثبت الأقدام والقلوب ويربط على العزائم وعلى الهمم، وما ذلك أيضاً إلا لأن الأسباب التي ذكرها الله - سبحانه وتعالى - للنصر كانت أيضاً رغم كل هذا ظاهرة للعيان في ثبات وإحتمال وصبر أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -.

والله إنكم لمنصورون

ولذلك مرة أخرى يعلن النبي - صلى الله عليه وسلم - النصر قبل المعركة وحتى نعلم أن القضية إنما هي إستقراء لأسباب النصر وحسن ظن بالله متعلقة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فإننا نرى موقفاً تاريخياً نذكره هنا فيه ذكر للنصر قبل نشوب المعركة، وذلك كان جلياً في موقف شيخ الإسلام ابن تيمية في مواجهة المسلمين للتار في ما قبل معركة شقحب وسيأتي لنا ذكر لها، كان رحمة الله عليه يطوف بالجند وبفرق الجيش وهو يقول " والله إنكم لمنصورون في هذه الكرَّة " ويحلف على ذلك بجزم شديد، حتى إن بعض الناس يراجعونه ويقولون له قل إن شاء الله فيقول " إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً " ويقسم على ذلك وهذه فراسة المؤمن وكرامة عبد صالح ولكنها بصيرة عالم بسنة الله -

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٨١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٨١١