ولو كنت مكان جوقة الانهزاميين العرب لخرست من الآن فصاعداً،لأن البطولات التي سطرها رجال المقاومة في لبنان أنهت ثقافة الهزيمة لدى العرب إلى غير رجعة كما يتبين من ردة فعل الشارع العربي من المحيط إلى الخليج. لقد تغير الشعور العام مائة وثمانين درجة لدى العامة والخاصة على حد سواء. والدليل على ذلك أن ألد أعداء حزب الله راح يبارك صمود المقاومة وانتصاراتها، على مبدأ أن الهزيمة يتيمة وأن للنصر مليون أب.
لقد كان الشارع العربي هذه المرة حذراً جداً في التفاؤل، خاصة أنه تجرع في السابق مرارة الهزائم والتسرع في إعلان النصر. وقد تميزت ردود الفعل الشعبية بالتروي والانتظار على مدار الحرب، لكن الشارع بات متيقناً مائة في المائة الآن أن النصر قد تحقق، وأن الشعور بالهزيمة الذي صاحبنا منذ عقود قد تلاشى تماماً بعد أن تمكنت حركة مقاومة صغيرة جداً من أن تدحر رابع أقوى جيش في العالم وتجعل أحد كهنة السياسة الإسرائيلية شمعون بيريز يصف الحرب الأخيرة بأنها "حرب حياة أو موت". صحيح أن الدولة العبرية لم تمت، لكنها برأي الشارع العربي والخبراء الاستراتيجيين فقدت هيبتها وتحطمت أسطورتها مهما دججوها بالعتاد والأسلحة الجهنمية. ألم تفقد إسرائيل وظيفتها الأساسية ككلب حراسة في المنطقة وأصبحت بحاجة حقيقية لمن يحرسها؟
ألا يشعر السواد الأعظم من العرب الآن أن النصر الكامل أصبح، قاب قوسين أو أدنى، في متناول اليد بالصواريخ فقط؟ ألا يشعر كل عربي من المحيط إلى الخليج بأنه مستعد لخوض المعركة ضد الأعداء بعد أن كان يلوذ بالخوف والصمت في السابق؟
لقد تخلص شارعنا من عقدة الذل والهزيمة، وهي، كما رأينا في كتاب (ثقافة الهزيمة) آنف الذكر أنها أخطر بكثير من الهزيمة ذاتها. ولا شك أن المثقفين العرب الحقيقيين سيستعيدون من الآن فصاعداً زمام المبادرة ولن يخشوا تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية بعدما كانوا يتجنبون عبارات التحدي والمقاومة في الماضي.
ولعل النصر الأهم للمقاومة اللبنانية إذن ليس دفع نصف إسرائيل تحت الأرض كالفئران المذعورة ونقل المعركة لأول مرة في تاريخ الصراع إلى ساحة العدو الداخلية، بل تخليص الأمة من نير الهزيمة، بشرط أن نستغل ذلك النصر المعنوي العظيم للنهوض سياسياً واقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً واجتماعياً كما فعل الألمان واليابانيون من قبلنا، وأن نحمي النصر التاريخي بأسناننا كي لا يفرغه الحاقدون من مضمونه، وألا نقايضه بمكاسب وصفقات ومتاجرات سياسية رخيصة، كما فعل البعض بعد حرب تشرين المجيدة ليحولوها وبالاً على العرب.
لا نريد النصر لمجرد النصر، فقد انتصر الجزائريون من قبل، لكنهم سلموا رقابهم بعد التحرير لمن أسماهم أحد المفكرين الجزائريين بـ"أبناء باريس"، أي أن المحتل عاد ليحكم من خلال عملائه الداخليين القدامى في الجزائر والكثير من الدول التي تحررت عسكرياً من ربقة الاحتلال الغربي. لهذا