تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعبارة أخرى، فإن النصر الأعظم الذي تستطيع قوة من القوى أن تلحقه بأعدائها هو أن تظل تضغط عليها نفسياً باستمرار، وأن تذكرها طوال الوقت بهزيمتها وأن تستبقيها إلى الأبد أسيرة لثقافة الهزيمة. وقد درس المؤلف تجارب ألمانيا واليابان وبولندا وفرنسا، وأخذ حالة هذه البلدان وكيف واجهت الوضع الصعب، مع العلم أن ألمانيا استسلمت بلا قيد أو شرط وفتحت أبوابها للمنتصرين ليدخلوا ويفعلوا ما يشاؤون، وأن اليابان ركعت على ركبتيها أمام القنبلة النووية الأمريكية واستسلمت بالكامل.

ولا ننسى أن فرنسا بجلالة قدرها هُزمت واحتلت من قبل هتلر في سنة 1940وظل نصفها تحت حكم الألمان والنصف الآخر بقيت فيه حكومة عميلة. لكن الشعوب الأوروبية لم تسمح للهزيمة بأن تتحول إلى ثقافة عامة، كما فعل العرب. لقد فهم الألمان واليابانيون والفرنسيون تلك الحقيقة جيداً، كما يقول محمد حسنين هيكل، وواجهوها واجتثوها من جذورها. وقد لعب المثقفون الوطنيون وقتها دوراً كبيراً في إزالة آثار الهزيمة وتشجيع المقاومة وإعادة استنهاض الروح المعنوية للشعوب الفرنسية والألمانية واليابانية، بمعنى أن المثقف الحقيقي هو أول من يجب أن يتنبه إلى أن استبقاء شعبه أو أمته أسيرة لثقافة الهزيمة أمر في غاية الخطورة، فلا ديمقراطية ولا حرية ولا تنمية ولا شرعية ولا هوية ولا كرامة، طالما أن الأمة أسيرة لثقافة الهزيمة. فلا يمكن أن تصنع مستقبلاً وأنت أسير لحظة الانكسار.

لكن بينما تصدى المثقفون والإعلاميون الغربيون لثقافة الهزيمة ووأدوها في مهدها، راح بعض مثقفينا يكرس الهزيمة ويجعلها ثقافة عامة مستدامة. وقد عاد ذلك الرهط الوضيع ليطل برأسه بقوة أثناء المواجهة الأخيرة بين رجال المقاومة الوطنية اللبنانية والدولة العبرية ليمارس لعبته القديمة، متعامياً عن النصر المؤزر الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية، فامتلأت بعض المواقع الالكترونية والصحف العربية الصفراء والخضراء بالمقالات والتحليلات التحبيطية التي وجدت طريقها بسهولة فيما بعد إلى موقع وزارة الخارجية الإسرائيلية الالكتروني.

وكم كان التناغم واضحاً بين بعض المواقع والصحف العربية وبين المواقع الإسرائيلية الرسمية،على اعتبار أن بعض الصحف الإسرائيلية غير الرسمية كانت أكثر توازناً في تقييمها للمعركة وأكثر اعترافاً ببسالة المقاومين اللبنانيين من الطابور الإعلامي العربي الخامس. كيف لا وقد اعترف قائد لواء (جولاني) الذي يُعتبر صفوة الجيش الإسرائيلي بأنه كم تمنى لو كان المقاومون الذين واجههم في بنت جبيل وعيتا الشعب من لوائه لشدة بأسهم وعبقريتهم القتالية وصمودهم الرائع. لكن ذلك الاعتراف الإسرائيلي المر لا يعني من استمرأوا الهوان والذل وراهنوا على الهزيمة المستدامة من إعلاميينا ومثقفينا المزعومين.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٧١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٧١٠