تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن القرآن هو القادر - بإذن الله – على تغييرنا وإعادة صياغتنا من جديد، ولِمَ لا وهو يمكنه تغيير طبيعة الجبال الصلبة القاسية: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [ الحشر: 21 ] . والقرآن كذلك هو الطريق للاستقامة الدائمة على أمر الله، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾ [ الإسراء: 9 ] . فبالقرآن توحد المسلمون الأوائل على هدف واحد، وبه ارتفعوا إلى السماء وتخلصوا من جواذب الأرض. ولقد أكد على هذا المعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: " أبشروا، فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم، فتمسكوا به، فإنكم لن تُهلكوا ولن تضلوا بعده أبدا ". [ صحيح / رواه الطبراني في الكبير عن جبير، وأورده الألباني في صحيح الجامع، ح: (34) ].

من هنا يتضح لنا أن نقطة البداية التي ينبغي أن نبدأ بها ليتم التغيير الداخلي المنشود هي العودة إلى القرآن. ونعني بالعودة: الدخول إلى دائرة تأثيره، والتعرض الحقيقي لمعجزاته، وتشغيل مصنعه وماكيناته، ليتم من خلاله التغيير المنشود، فنكون من بعده عبيدا لله عز وجل.

كيفية التغيير القرآني

استعرضنا فيما سبق الأسباب التي تحول بيننا وبين أن نكون عبيدا مخلصين لله عز وجل، والتي تنطلق من محاور ثلاثة: العقل والقلب والنفس. ومن ثم فإن التغيير الحقيقي في ذات الإنسان ينبغي أن يشمل هذه المحاور الثلاث:

o فبالنسبة للعقل: يقوم القرآن بإعادة تشكيل العقل وبناء اليقين الصحيح فيه، فتتغير تبعا لذلك تصورات صاحبه واهتماماته، ومن ثم تلقائية أفعاله.

o وبالنسبة للقلب: تعني لحظات الانفعال والتجاوب القلبي مع قراءة القرآن، تعني دخول نور هذه الآيات إلى القلب وتأثيره على المشاعر، مما يؤدي إلى زيادة الإيمان. وكلما ازداد الإيمان في القلب، انعكس ذلك على الجوارح بأعمال صالحة لم يكن من السهل قبل ذلك القيام بها.

o وبالنسبة للنفس: تكمن طريقة القرآن الفريدة في التعامل مع النفس من خلال محورين رئيسيين، هما: معرفة الله، ومعرفة النفس، مع ممارسة مقتضى تلك المعارف. فمعرفة الله لها دور كبير في إخلاص العمل لله عز وجل، وعلى قدر تمكنها من القلب وتعمقها فيه يكون صدق معاملة العبد لربه. أما تعريف القرآن للمرء بحقيقة نفسه وطبيعتها، وحبها للشهوات، وميلها للفجور، وأنها لو تُركت لما أمرت بخير ... كل ذلك ليشتد حذر الإنسان منها، فلا يركن إليها ولا يرضى أو يفرح بها.

كيف ننتفع بالقرآن؟

إذا كان القرآن هو المخرج من الفتن التي تعصف بنا، فلابد – إذن – أن نعود جميعا إلى القرآن. فالعودة إليه تمثل طوق النجاة ومشروع النهضة للأمة جمعاء. إن الدخول إلى عالم القرآن ودائرة تأثيره

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٥٧٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٥٧٢