أما الأتباع فإن حاملي الحق منهم لا يُهزمون أيضاً هزيمة تطول أو تعم في الأرض، وحتى لو ارتفعت أرواحهم إلى السماء مع الشهداء؛ فإن قضيتهم تبقى الأساس في هداية الناس؛ فأصحاب الأخدود لم يُهزموا، وغلام الأخدود لم يُهزم، وأصحاب النبي لم يُهزموا هزيمة عامة، وإنما تلقوا درساً في طريق الانتصار كان سبباً في انتصارات أعظم، وكذلك فإن الشهداء المشهود لهم بالصدق في عصرنا لم يُهزموا، وإنما ابتلوا أو أُصيبوا؛ لأن المناهج التي حملوها وحموها بدمائهم وأشلائهم لم تسقط ولم تُهزم. ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَومِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾[آل عمران: 146 - 150].
إن الهزيمة بمعناها الثقيل الصريح لم تنسب للمؤمنين أبداً في القرآن، ولكنها نُسبت للكافرين، كما جاء في قول الله ـ تعالى ـ عن هزيمة العماليق الوثنيين في فلسطين أمام داود ـ عليه السلام ـ وجنوده: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: 251].
لقد بدت أمامي من خلال استعراض الآيات التي ذُكر فيها النصر في القرآن ملاحظة عجيبة! حيث وجدتُ أن النصر لم يُنسب بلفظه قط إلى الكفار! قصارى ما يُمكن أن يُنسب إليهم هو (الغَلَبة)، والغلبة قهر قوة مادية لقوة مادية. صحيح أن بعض الكفار قد ينتصر بعضهم على بعض، لكن نصوص الوحي تُعبِّر عن ذلك بالغلبة أو الظهور فقط؛ لأن الأمر كما قال الله: ﴿وَمَا النَّصْرُ إلاَّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 126]، وقال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40]، ولذلك لم يقل الله ـ تعالى ـ: انتصر الفرس، أو انتصر الروم، وإنما قال ـ سبحانه ـ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ﴾ [الروم: 2 - 4]، وقد لاحظت أيضاً أن النصر يقترن دائماً باسم الله ويسند إليه سبحانه، مما يُفهم منه أن نصره ـ عز وجل ـ لا يُمنحُ لمن حاد عن منهجه؛ فهو سبحانه (النَّاصر) و (النَّصير)، ولعل هذا هو السبب في أن كثيراً من المفسرين ذهبوا إلى أن قول الله ـ تعالى ـ في آية الروم: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 4 - 5]، إنما المقصود به نصر الله للمؤمنين المسلمين في غزوة بدر على مشركي قريش؛ حيث كان هذا النصر متزامناً مع ما وقع من غلبة الروم على الفرس(7).
ومع أنَّ الكفار قد ينتصر بعضهم على بعض انتصاراً مادياً محسوساً، غير أنهم لا ينتصرون على المؤمنين أبداً وإن غلبوهم أو نالوا منهم في الميادين في بعض الأحايين، وهذه الغلبة أو المصيبة التي تصيب المؤمنين أحياناً لا تكون أيضاً إلا بنوع من التفريط في أسباب النصر الشرعية؛ كما قال الله ـ تعالى ـ: {أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ