تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنّ الخوف على أنفسنا لا على دين الله، الخوف على أنفسنا في عالم تموج به الفتن أنْ يتخبّطنا الشيطان، أما الدين فله رب يحميه، وقد تكفَّل ببقائه وحفظه ونصره، ولا علينا أنْ يصيبنا ما يصيبنا في سبيل نصره وتمكينه، عن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ليبلغنّ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعزِّ عزيز، أو بذلّ ذليل؛ عزّاً يعزّ الله به الإسلام، وذلاً يذلّ الله به الكفر»(2).

وفي الحديث الصحيح الآخر أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ الله زوَى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمرَ والأبيضَ. وإني سألت ربي لأمتي ألا يهلكها بسنة عامة، وألا يسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم، فيستبيحَ بيضتهم. وإنّ ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُردّ، وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة عامة، وألا أسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً»(3).

ومن بشائر النصر العظيمة: فتح القسطنطينية وروما، وقد تحققت الأولى، وبقيت الثانية، ولا شكّ في حصولها، فقد أخبر بذلك مَن لا ينطق عن الهوى، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما -، قال: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نكتب؛ إذ سُئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أيّ المدينتين تُفتح أولاً؛ قسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مدينة هرقل تفتح أولاً» يعني قسطنطينية(4).

ولئن كان لليهود اليوم صولة وجولة، وكان للنصارى مظاهرة لهم وممانعة، ولئن ظنّ بعض المنهزمين ألا قدرة لنا عليهم، فقد جاءتنا البشارة بأنّ خاتمة المطاف تحمل نصراً لنا وإبادة لهم؛ إبادة يتعاون معنا فيها الحجر والنبات. أخبر عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تقاتلكم اليهود، فتُسلَّطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهوديّ ورائي، فاقتله»(5). وفي رواية أخرى عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديّ من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود»(6).

إنّ الإيمان ـ أيها الإخوة ـ هو شرط نصركم وتمكينكم، فمتى صحَّ ذلك منكم تحقَّق وعد ربكم لكم.

وإنّ العبرة ليست بالظاهر، فلربما أخفت الحقائقَ المظاهرُ. وإنّ الكافرين وإنْ كانت لهم الغلبة الظاهرة، إلا أنّ النصر الحقيقي يتمثل في الصبر والثبات، وفي خاتمة المسار والمطاف، {وَعْدَ اللَّهِ لا

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٢٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٢٩٣