تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومع أن الفأل وحسن الظن بالله ـ تعالى ـ من أهم المقومات لمريد التغيير، إلا أن أهمية ذلك تزداد حين ندرك أن من أهم مرامي عدونا: إضعاف معنوياتنا، وغرس اليأس والإحباط في دواخلها، ليقتل الهمم، ويستأصل باعث المقاومة من نفوسنا؛ لأن الأمة اليائسة لا تصنع شيئاً.

2 - أن طاعة الله ـ تعالى ـ ولزوم شرعه هو مفتاح النصر وبوابة التمكين، وأنه لا سبيل لهذه الأمة لنيل الرفعة والظفر بالعزة إلا عبر ذلك. يقول الفاروق - رضي الله عنه -: «إنا كنا أذلّ قوم، فأعزنا الله بالإسلام؛ فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله به: أذلنا الله»(1).

وعليه فقد جعل الله - تعالى - عزنا وذلنا - معاشر المسلمين - بأيدينا لا بأيدي غيرنا، ومصداق ذلك من كتاب الله قوله - سبحانه -: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165]، فأعمالنا هي سبب ما أصابنا ويحلّ بنا، وهي نفسها باعث الإصلاح وشرطه، ومقوِّم التغيير المأمول، قال - تعالى -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11] .

3 - أن النصر يتخلف بانتفاء شروطه ووجود موانعه، والمتأمل في واقعنا يجد أن الإيمان ضعيف، وما يقدح في أصله أو كماله كثير، والأمة غارقة في بحور الشهوات والشبهات، وهي مع ذلك في غفلتها تهيم؛ فهي أكثر ما تكون تشتتاً وفرقة، وأبعد ما تكون عن إعداد العدة والأخذ بالأسباب.

وهي إنما يقوم على أمرها - في الغالب - أحد رجلين:

إما رجل ضعيف الإيمان، متعلق القلب بالدنيا وزخرفها، ممتلئ خوفاً وجبناً، مبادر إلى تحقيق ما يظنه مقصوداً للعدو قبل أن يطلب ذلك منه.

وإما آخر من أحفاد المنافقين الأوائل، رباه العدو على عينه؛ فهو طليعة من طلائعه، وأشد عداوة للأمة وثوابتها منه.

هذا من حيث العموم.

أما إذا جئت إلى أوساط الهداة ومبعث الأمل - العلماء والدعاة -؛ فمع كثرة خيرهم وعموم نفعهم إلا أنك تشاهد أمراضاً شتى، الواحد منها يعوق النصر ويمنع التمكين؛ فكيف بها مجتمعة؟ فأنت ترى في بعضهم قلة في الفقه، وضعفاً في النظر، أو تقصيراً في التبليغ والبيان، وطلباً للدنيا وتأكُّلاً باسم الدين، وفرقة وتشرذماً وتحزباً - في أحيان كثيرة - على غير الدين... وهلُمَّ جراً.

إنها بحق حالة مزرية، هي أبعد ما تكون عن استحقاق النصر وأهلية التمكين.

4 - مع شدة الضعف وعظم الهوان إلا أن الأمر لم يبلغ من السوء ما كان عليه الناس قبل البعثة النبوية الشريفة، والتي نظر الله فيها إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب(1)؛ إذ الأمة مع شدة المرض ما برحت حية لم تمت، وما زالت تملك كثيراً من مقومات القوة وعوامل التغيير التي لم تستثمر بالصورة المطلوبة بعد.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِ · الصفحة ١٢٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفَصَّلُ في عواملِ النَّصر والهزيمةِص ١٢٤١