وذكر سبحانه في مواضع أخرى من كتابه أن من الحكمة في خلق الخليقة أن يعرف سبحانه بعلمه الشامل وقدرته الكاملة , وأنه عز وجل سيجزي عباده في الآخرة بأعمالهم , كما قال عز وجل : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا ﴾ (2) وقال تعالى : ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (3) ﴿ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ (4)
(1) سورة الحج الآية 62
(2) سورة الطلاق الآية 12
(3) سورة الجاثية الآية 21
(4) سورة الجاثية الآية 22
فالواجب على كل ذي لب أن ينظر فيما خلق له , وأن يحاسب نفسه ويجاهدها لله حتى يؤدي حقه وحق عباده , وحتى يحذر ما نهاه الله عنه ليفوز بالسعادة والعاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة , وهذا العلم هو أنفع العلوم وأهمها وأفضلها وأعظمها , لأنه أساس الملة وزبدة ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام , وخلاصة دعوتهم , ولا يتم ذلك ولا يحصل به النجاة إلا بعد أن يضاف إليه الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام , وعلى رأسهم إمامهم وسيدهم وخاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم , ومقتضى هذا الإيمان , تصديقه صلى الله عليه وسلم في إخباره وطاعة أوامره وترك نواهيه , وأن لا يعبد الله سبحانه إلا بالشريعة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام . وهكذا كل أمة بعث الله إليها رسولا , لا يصح إسلامها ولا يتم إيمانها ولا تحصل لها السعادة والنجاة إلا بتوحيدها لله , وإخلاص العبادة له عز وجل , ومتابعة رسولها صلى الله عليه وسلم , وعدم الخروج عن شريعته , وهذا هو الإسلام الذي رضيه الله لعباده , وأخبر أنه هو دينه , كما في قوله عز وجل : ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ (1) وقوله عز وجل : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ﴾ (2) وبهذا يتضح لذوي البصائر أن أصل دين الإسلام وقاعدته أمران :
أحدهما : أن لا يعبد إلا الله وحده , وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله .
الثاني : أن لا يعبد إلا بشريعة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم .
فالأول يبطل جميع
__________
(1) سورة المائدة الآية 3
(2) سورة آل عمران الآية 19