تخطَّ إلى المحتوى

الأجسام المؤتلفة، ولكن على تلك الصفة وتلك الحالة لا نقدر عليه، فأما الخبر عن الغيوب فليس بمعجز ولا وقوع المخبر على ما أخبر به معجز إذ يجوز على الخبر عن الغيب أن يكون صدقا أو كذبا وإذ قد ثبت أن يخبر الإنسان عن الشيء أنه يكون فيكون وليس يعلم في حال الخبر أن المخبر به يقع على ما أخبر به عنه ولا يعلم أنه معجز وإنما العلم بأن الشيء يكون قبل أن يكون يعجز بلى من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنه سيكون كذا وكذا ويخبر عن الغيب ثم يبقى إلى الحالة يكون فيها ما ذكره فحينئذ يكون ذلك دلالة وحجة عليه، فأما من لم يبق إلى تلك الحالة فهو ليس تقوم عليه الحجة في وقت الإخبار ولا يصح الاستدلال بذلك بل يجب أن يدله الله بدليل آخر.

فإن قال قائل: كيف يصح أن يكون انقضاض الكواكب رجما للشياطين ولا يخلو من أن يكون الذي يرمى به الشيطان ليحرقه كوكب فيجب أن يفارق مكانه وينقص من عدد الكواكب وقد علمنا منذ عهدت الدنيا لم تنقص ولم تزد أو يكون الذي يرمى به شعاعا يحدث من احتكاك الكواكب واصطكاك بعضها ببعض فيفصل ذلك الشعاع من الكواكب ويتصل بالجني حتى يحرقه، إذ لو لم يتصل به لم يحترق وهذا أيضا لا يجوز لأن الكواكب لا تحتك. قيل له: إن كل ما ذكرت غير ممتنع قد يجوز أن يكون هناك كواكب لا تلحقها العين لصغرها كما قال قوم في المجرة إنها كلها كواكب ولا تبين، فيجوز أن يحتك بخاران عظيمان فيحدث الشعاع ويحترق الجني، وكل ذلك ليس بمستنكر وعلى هذا جاء في القرآن.

وأما انشقاق القمر فإن الجاحظ كان ينفيه ويقول: لم يتواتر الخبر به ويقول أيضا لو انشق حتى صار بعضه في جبل أبي قبيس لوجب أن نختلف التقويمات بالزيجات لأنه قد علم سيره في كل يوم وليلة، فلو انشق القمر لكان وقت انشقاقه لا يسير، فأما قوله تعالى:

اقتربت الساعة وانشق القمر

[سورة القمر، الآية: 1] فإنما معناه سينشق ونحن نثبته ونقول:

يكون ذلك دليلا خص به عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأن سائر الناس لم يرده لأن الله حال بينهم وبين رؤيته بغمامة أو غيرها ويجوز أن يكون غير عبد الله رآه، فاقتصر في نقله على رواية عبد الله وعلى ما نطق به القرآن من ذكره.

فصل الاستدلال بالشاهد على الغائب

لأنه الأصل في معرفة التوحيد، وحدوث الأجسام وصدق الرسل. قال الله تعالى:

الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب

[سورة البقرة، الآية: 1- 3] قيل معناه يؤمنون بما غاب عنهم من أمر الآخرة وقيل: يؤمنون بما غاب من

الأزمنة والأمكنة · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.