تخطَّ إلى المحتوى

أيضا أراد نظر فيما كان ينزل عليه من نجوم الوحي كيف يتوصل إلى ما يهم به في آلهتهم، وبماذا ابتدئ ومن أين مخلصه إذا أقدم ويكون قوله: إني سقيم

اختداعا منه لهم وإيذانا منه بأنه مشغول بنفسه تارك لما كان لا يؤمن من مكائد، وهذا نهاية ما يقال. فأما قوله تعالى: فراغ عليهم ضربا باليمين

[سورة الصافات، الآية: 93] يريد مال عليها بالضرب، كما تقول: التقى الفريقان فراغ أحدهما: أي عزل عن الحرب يقال دار فلان رائغة عن الطريق أي عدله، وقوله: باليمين قيل: بيده اليمنى، وقيل: هي يمين كان حلف بها، وهي قوله تعالى: تالله لأكيدن أصنامكم

[سورة الأنبياء، الآية: 57] وقيل بالقدرة كما قال:

إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين

وقيل: راغ معناه أقبل مستخفيا كروغان الثعلب، وكذلك قوله: فراغ إلى أهله فجاء بعجل

أي لم يرد أن يشعروا به.

فصل آخر [في بيان معنى الرؤية لله تعالى الواردة في القرآن]

وذكر أبو علي الفارسي فيما سمعته منه أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» [سورة الذاريات، الآية: 26] أن هذا ليس من الرؤية التي هي إدراك البصر بل هي بمعنى العلم وساغ حذف المفعول الثاني الذي تقضيه تلك لأن الكلام قد طال ما هو بمعنى المفعول الثاني لو أظهر، ألا ترى أن قوله: كما ترون القمر ليلة البدر تأكيد، وتشديد للتيقن، وتبعيد من اعتراض الشبه على العلم به تعالى، وإذا كان بمنزلة ما بمنزلة المفعول الثاني إذا جرى ذكره في الصلات نحو: علمت أن زيدا منطلق، وأحسب الناس أن يتركوا فلما سد ما جرى في الصلتين مسد المفعولين، ومن قال: إنه يضمر في الموصولين مفعولا ثانيا كان قياس قوله: أن يضمر هنا مفعولا ثانيا كأنه ترونه متيقنا، ونحو ذلك وأن يقال: إن ما ذكر سد مسد المفعول الثاني أقيس.

ألا ترى أن ما جرى في صلة أن بعد لو في قولك: إنك لو جئتني قد سد مسد المفعول الذي يقع بعد لو حتى لم يظهر ذلك الفعل معه، واختزل فكذلك المفعول مع الموصولين في هذا الباب، ومثل هذا قوله: أعنده علم الغيب فهو يرى لأن القول في يرى أنها التي تتعدى إلى مفعولين لأن علم الغيب لا يوجب الحسن حتى إذا علمه أحس شيئا، وإنما المعنى عنده علم الغيب مثل ما يشهده لأن من حصل له علم الغيب يعلم ما يغيب كما يعلم ما يشاهد.

فإن قلت: فكيف حذف المفعولين جميعا؟ قيل: المعنى أعنده علم الغيب، فهو يرى الغيب مثل المشاهد والمبتدأ والخبر قبل دخول رأيت عليه كان الغيب فيهما مثل المشاهدة، ثم حذفا للدلالة عليهما وقد قال الأعشى:

الأزمنة والأمكنة · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.