ثم بدأ القرطبي بعد أن انتقد هجوم ابن العربي يصحح ما ذهب إليه.
فالقرطبي وإن ارتضى مذهب ابن العربي ورأيه إلا أنه لم يرتض هجومه وتطاوله فانتقده ورد عن العلماء هذا التطاول.
وفي قوله تعالى ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾ يبين القرطبي لابن العربي. كيف تكون المناقشة وكيف تبنى على الإقناع لا على الثورة والغضب؟ ولا يمنعني أن أذكر هذه المناقشة العلمية الرائعة إلا خوف التطويل فمن أرادها فليراجعها". انتهى.
وقال د. الفرت (ص 68 - 69): "ومما يدل على سمو أخلاق القرطبي وأدبه الجم في عرض آرائه وحسن حواره مع مخالفيه أنه أنحى باللائمة على أولئك الذين يسلقون مخالفيهم بألسنة حداد، ولو كان أحد هؤلاء ابن العربي الذي يعتبر شيخه أو من أهم مصادره العلمية، ودليل ذلك ما جاء في تفسيره قول الله (تعالى): ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً﴾، إذ عرض القرطبي (رحمه الله) الأقوال التي قيلت في معنى "سكراً" ...
وأتبع القرطبي رأي الحنفية بمناقشة "ابن العربي" لهم ...
وهنا تبدو رقة القرطبي (رضي الله عنه)؛ إذ يعقب على ابن العربي قوله هذا، ويبدي رأيه صريحاً في ذلك فيقول: "هذا تشنيع شنيع حتى يلحق فيه العلماء الأخيار في قصور الفهم بالكفار ... ". انتهى.
70 - ذكر مشهور في الفصل الأخير (الفصل السابع) (القرطبي والمذاهب والفرق) (ص 187 - 237)، وتحدّث عن رد القرطبي على الصوفية والشيعة، وأتى بأمثلة على ذلك من كتاب التفسير، وأدخل في ثنايا هذا البحث تقسيمات – من كتب العقائد – لا طائل لذكرها في كتابه!
وهذا الفصل – وإن أطال فيه بذكر الأمثلة فقط الموجودة في كتاب القرطبي والوصول إليها سهل – هذا الفصل مُستفادٌ من كلام الدكتور الفرت في كتابه، فإنه عقد الفصل الخامس (المذهب الكلامي للقرطبي) (ص 100 - 124)، وناقش في هذا الفصل أربعة مسائل تتعلق بكافة الفرق الكلامية (وهي: الإمامة، أفعال العباد، الإيمان والعمل، رؤية الله تعالى يوم القيامة)، ولم يقتصر على الشيعة فقط كما فعل مشهور، وتحدَّث عن رد القرطبي على الصوفية أيضاً.
ومع هذا، فإن (مشهور حسن) لم يُشر إلى هذا، وقد ضمّن ما أورده كلاماً للدكتور الفرت – كما سأبينه -، وكان ينبغي ردّ الفضل إلى أهله، فبيان رد القرطبي على أهل البدع ومنهم الشيعة والمتصوفة فكرة الدكتور الفرت، ولكن (مشهوراً) سرقها كعادته، بل ألّف كتابين في هذا، وهما: (ردود القرطبي على الشيعة، مكتبة السوادي، 1412 هـ)، ثم أعاد طبعه في دارهم الأثرية! و (القرطبي والتصوف، دارالكتب الأثرية، الأردن)، وكلاهما نُقولٌ يحسن جمعها أي طالب علم مبتدئ!!
والحقّ أن بيان الدكتور الفرت للمسائل التي عرضها القرطبي في كتابه فيما يتعلق بأصحاب المذاهب الكلامية كان رائعاً وموفقاً ومنظماً ومرتباً، وذلك؛ لأنه صادرٌ من إنسان يدري ويعي ما يقول، بخلاف من يسرق وينتحل ما ليس له، حيث يظهر ذلك في نثره للمعلومات دون ترتيب ودون ترابط (كسارق المتاع) والقاسم المشترك بينهما هو (السرعة والفرار من مسرح الجريمة)، والفرق بينهما أن سارق المتاع يبيع ما يسرقه في (سوق الحرامية)، وأما سارق الكتب فإن كتبه تُباع لدور النشر ومنها إلى الطيبين من طلبة العلم؛ الفقراء منهم والأغنياء!!
ومع هذا فإن (مشهور حسن) قد ضمن هذا الفصل بعض القضايا التي طرحها الدكتور الفرت، ثم ختم كلامه على هذه الفرق بالكلام نفسه الذي ختم به الدكتور كما سيأتي.
71 - قال مشهور (ص 187): "القرطبي والمذاهب والفرق"، ثم عنون: "ردود القرطبي على الصوفية"، ثم: "ردود القرطبي على الشيعة" انتهى.
قال د. الفرت (ص 100): "المذهب الكلامي للقرطبي" ثم قال: "أولاً: موقفه من الفرق الإسلامية"، ثم: "ثانياً: موقفه من المتصوفة".