فمثلاً تعرّض لحجيّة مفهوم الخطاب – وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى – واعتبره حجّة، وهذا هو المعتمد عند فقهاء المالكية، فقال في تفسير قول الله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب مَنْ إنْ تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم منْ إن تأمنه بدينارٍ لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾؛ ((أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي اجتناب جميعهم. وخصّ أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك، لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب)) ثم قال: ((ومَن حفظ الكثير وأدّاه فالقليل أولى، ومَن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر)) ثم ابتدر بهذه المناسبة لذكر مفهوم الخطاب وحجيته، فقال: ((وهذا أدلّ دليل على القول بمفهوم الخطاب، وفيه بين العلماء خلاف كثير مذكور في أصول الفقه)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (4/ 116)].
وكان الإمام القرطبي قد أشار قبل ذلك إلى أن مذهب الكوفيين عدم اعتبار مفهوم الخطاب. وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿ولا تكونوا أول كافر به﴾. فقال: ((لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن وافقهم؛ لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولاً وآخراً، وخصّ الأول بالذكر لأن التقدّم فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحداً، وهذا واضح)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (1/ 334)] ...
فهذه الأمور الخمسة تثبت لنا أن الإمام القرطبي مالكي المذهب فقهاً وأصولاً". انتهى.
قلت: وهذا أيضاً ليس من كلام (مشهور)! وإنما هو كلام الدكتور الفرت بحروفه!!
قال د. الفرت (ص 243 - 244): "ومما يؤكد مذهبيته أنه التزم أصول المالكية، ومن بينها تلك الأصول التي أخذوا بها ولم يأخذ بها غيرهم؛ إذ يدافع عنها في تفسيره وينتصف لها:
ففي قوله تعالى: ﴿ومن أهل الكتاب مَنْ إنْ تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم منْ إن تأمنه بدينارٍ لا يؤدّه إليك إلا ما دمت عليه قائماً﴾، يقول القرطبي: "أخبر تعالى أن في أهل الكتاب الخائن والأمين، والمؤمنون لا يميزون ذلك، فينبغي اجتناب جميعهم، وخصّ أهل الكتاب بالذكر وإن كان المؤمنون كذلك؛ لأن الخيانة فيهم أكثر، فخرج الكلام على الغالب" ثم قال: "ومَن حفظ الكثير وأدّاه فالقليل أولى، ومَن خان في اليسير أو منعه فذلك في الكثير أكثر" [توثيق حاشية: تفسير القرطبي ج 4 ص 116].
ثم ابتدر هذه المناسبة ليبين أن هذا من الأدلة القوية لمن يقول بمفهوم الخطاب [توثيق حاشية: مفهوم الخطاب: هو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق الأولى] الذي فيه خلاف كثير بين العلماء.
والمالكية يأخذون به ويعتبرونه حجة، أما غير المالكية فقد اختلفوا فيه – كما أشار القرطبي – فبعضهم يأخذ به في استنباط الأحكام، وبعضهم لا يأخذ به ...
ولقد سار القرطبي مع المالكية – وهو منهم – في هذا الأمر، ونفى أن يكون في بعض آيات القرآن الكريم ما هو حجة لهم في منع القول بمفهوم المخالفة أو دليل الخطاب، يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به﴾: لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن وافقهم؛ لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولاً وآخراً، وخصّ الأول بالذكر لأن التقدّم فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحداً، وهذا واضح" [توثيق حاشية: تفسير القرطبي ج 1 ص 334].
وغير هذا كثير في تفسير القرطبي مما يثبت لنا أنه مالكي المذهب فقهاً وأصولاً ... ". انتهى.
68 - قال مشهور (ص 178 - 179): "ومن أهم مميزات شخصية الإمام القرطبي العلمية.