تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال القرطبي: "ولا بدّ في غسل الوجه من نقل الماء إليه، وإمرار اليد عليه، وهذه حقيقة الغسل عندنا – يقصد المالكية، وهو منهم – وقال غيرنا: إنما عليه إجراء الماء، وليس عليه دَلكٌ بيده".

ثم يعرض في موضع آخر – في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ – دليل كلّ فريق، والذي يهمنا هنا ما كشف به عن خبرته بالمذهب المالكي، وتصحيح ما قد نسبه البعض خطأ إلى مالك، فقد ذكر أن ابن العربي يعجب لما حكاه أحد علماء المالكية عن الإمام مالك من أنه يجزئ الجنب صب الماء، والانغماس فيه، إذا أسبغ وعم وإن لم يتدلك، ويقول ابن العربي: "وما قاله مالك نصاً ولا تخريجاً وإنما هي من أوهامه".

ويذكر القرطبيّ أن "ابن العربي" هو الذي وهم، لأنه قد روى عن مالك هذا أيضاً، فقد قال "مروان بن محمد الظاهري"، وهو ثقة من ثقات الشاميين: سألت مالك ابن أنس عن رجل انغمس في ماء وهو جنب ولم يتوضأ، قال: مضت صلاته، قال أبو عمر: فهذه الرواية فيها لم يتدلك ولا توضأ، وقد أجزأه عند مالك.

إذن فقد روي عن مالك ما حكاه أبو الفرج [توثيق حاشية: تفسير القرطبي ج 5 ص 210، 211] من علماء المالكية، من أن التدليك ليس شرطاً في صحة الغسل، وصحح القرطبي على أساس من درايته بمذهب الإمام مالك هذه الحكاية على الرغم من إنكار ابن العربي – وهو من كبار علماء المالكية – أن يكون مالك قال ذلك نصاً أو تخريجاً". انتهى.

66 - قال مشهور (ص 173 - 176): "الرابع: ترجيحه مذهب الإمام مالك في كثيرٍ من المسائل الفقهية التي عالجها، ومناقشته العلماء فيها، والأمثلة على هذا كثيرة، من أشهرها:

أ- مسألة البسملة، هل هي آية من الفاتحة وغيرها من السور أم لا؟ ويترتب عليه: هل يقرأها المصلي أم أن صلاته تجزئ وإن لم يفعل ذلك؟

اختلف العلماء في ذلك على أقوال، منها:

ليس بآية من الفاتحة ولا غيرها من السور، وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبتدؤها، وللتبرك بها، كما بُدِئ بذكرها في كل أمر ذي بال، وهذا القول قال فيه القرطبي: ((وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وجمهور الفقهاء والقرّاء)).

ثم تعرّض إلى مذهب مالك في قراءة المصلي لها، فقال: ((وجملة مذهب مالك وأصحابه: أنها ليست عندهم آية من فاتحة الكتاب ولا غيرها، ولا يقرأ بها المصلي في المكتوبة ولا في غيرها سراً ولا جهراً، ويجوز أن يقرأها في النوافل، هذا هو المشهور من مذهبه عند أصحابه)).

والذي يهمنا هنا أن نعرض رأي القرطبي في هذه المسألة، لتتّضح نصرته لمذهبه المالكي، وتبنّيه رأيهم ومدافعته عنهم.

قال رحمه الله تعالى بعد كلام طويل: ((والصحيح من هذه الأقوال قول مالك، الذي رأى أن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد، وإنما طريقه التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه)).

ثم حشد كثيراً من الأدلة النقلية والعقلية التي تدلل على صحة وجهة نظره هذه الموافقة لمذهبه المالكي، وعضدها بنقولات لكثير من أهل العلم تؤيدها وتنصرها، وفنَّد حِجج الآخرين وردّ عليها بشيء من التفصيل [توثيق حاشية: انظر مسألة البسملة وكلام المصنف عليها في: ((الجامع لأحكام القرآن)) (1/ 92 - 97 و 117 و 7/ 153 - 155)].

ب- مسألة مقدار مسح الرأس في الوضوء.

اتفق الفقهاء على أن مسح الرأس من فرائض الوضوء، لقوله تعالى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾، واختلفوا في المقدار المطلوب مسحه ((على أحد عشر قولاًَ، ثلاثة لأبي حنيفة، وقولان للشافعي، وستة أقوال لعلمائنا – أي المالكية)) [توثيق حاشية: الجامع لأحكام القرآن: (6/ 87)].

والذي يعنينا من هذه المسألة: أن مذهب مالك القول بوجوب تعميم مسح الرأس، وهو الذي نصره الإمام القرطبي، فقال: ((وقد أشار مالك في وجوب مسح الرأس إلى ما ذكرناه، فإنه سُئِل عن الذي يترك بعض رأسه في الوضوء، فقال: أرأيت إن ترك غسل بعض وجهه أكان يجزئه؟!)) ثم قال بعد أن ذكر أقوال العلماء وخلافهم في هذه المسألة على النحو الذي أشرنا إليه سابقاً: ((والصحيح منها واحد، وهو وجوب التعميم لما ذكرناه. وأجمع العلماء على أن مَن مسح رأسه كله فقد أحسن وفعل ما يلزمه، والباء مؤكدة زائدة ليست للتبعيض، والمعنى: وامسحوا رءوسكم)) ثم ناقش أدلة المخالفين ووجوه ردّها بما لا مزيد عليه.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ٢٢٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ٢٢٨٩